يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ زَكَرِيَّا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ عَالِمًا بِإِمْكَانِ الْخَوَارِقِ وَلَا يَقُولُ بِهَذَا مُؤْمِنٌ بِنُبُوَّتِهِ . فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ تَعَجُّبَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ قَدْ يُشْعِرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا يُؤَيِّدُ امْتِنَاعَ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ الْخَوَارِقِ هِيَ الَّتِي أَثَارَتْ فِي نَفْسِهِ هَذَا الدُّعَاءَ ، ثُمَّ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي مَعْنَى هَذَا الدُّعَاءِ وَهَذَا التَّعَجُّبِ مِنَ اسْتِجَابَتِهِ أَحْسَنَ قَوْلٍ . وَهَاكَهُ بِالْمَعْنَى مَعَ شَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّفِ: إِنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا رَأَى مَا رَآهُ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى مَرْيَمَ فِي كَمَالِ إِيمَانِهَا وَحُسْنِ حَالِهَا وَلَا سِيَّمَا اخْتِرَاقُ شُعَاعِ بَصِيرَتِهَا لِحُجُبِ الْأَسْبَابِ ، وَرُؤْيَتُهَا أَنَّ الْمُسَخِّرَ لَهَا هُوَ الَّذِي يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، أَخَذَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَغَابَ عَنْ حِسِّهِ ، وَانْصَرَفَ عَنِ الْعَالَمِ وَمَا فِيهِ ، وَاسْتَغْرَقَ قَلْبُهُ فِي مُلَاحَظَةِ فَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ . فَنَطَقَ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ . وَإِنَّمَا يَكُونُ الدُّعَاءُ جَدِيرًا بِأَنْ يُسْتَجَابَ إِذَا جَرَى بِهِ اللِّسَانُ بِتَلْقِينِ الْقَلْبِ فِي حَالِ اسْتِغْرَاقِهِ فِي الشُّعُورِ بِكَمَالِ الرَّبِّ ، وَلَمَّا عَادَ مِنْ سَفَرِهِ فِي عَالَمِ الْوَحْدَةِ إِلَى عَالَمِ الْأَسْبَابِ وَمَقَامِ التَّفْرِقَةِ ، وَقَدْ أُوذِنَ بِسَمَاعِ نِدَائِهِ ، وَاسْتِجَابَةِ دُعَائِهِ ، سَأَلَ رَبَّهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الِاسْتِجَابَةِ - وَهِيَ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ الْكَوْنِيَّةِ - فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ