الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ خَبَرًا عَنْ زَكَرِيَّا، قَالَ زَكَرِيَّا، يَا رَبِّ إِنْ كَانَ هَذَا النِّدَاءُ الَّذِي نُودِيتُهُ، وَالصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُهُ صَوْتَ مَلَائِكَتِكَ، وَبِشَارَةً مِنْكَ لِي، فَاجْعَلْ لِي آيَةً يَقُولُ: عَلَامَةً أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِيَزُولَ عَنِي مَا قَدْ وَسْوَسَ إِلَيَّ الشَّيْطَانُ فَأَلْقَاهُ فِي قَلْبِي مِنْ أَنَّ ذَلِكَ صَوْتُ غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ [1] ، وَبِشَارَةٌ مِنْ عِنْدِ غَيْرِكَ.
عَنِ السُّدِّيِّ: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} قَالَ:"قَالَ يَعْنِي زَكَرِيَّا: يَا رَبِّي فَإِنْ كَانَ هَذَا الصَّوْتُ مِنْكَ، فَاجْعَلْ لِي آيَةً"
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الْآيَةِ، وَأَنَّهَا الْعَلَامَةُ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي سَبَبِ تَرْكِ الْعَرَبِ هَمْزَهَا، وَمِنْ شَأْنِهَا هَمْزُ كُلِّ يَاءٍ جَاءَتْ بَعْدَ أَلْفٍ سَاكِنَةٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُرِكَ هَمْزُهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ «أَيَّةً» فَثَقُلَ عَلَيْهِمُ التَّشْدِيدُ، فَأَبْدَلُوهُ أَلْفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَ التَّشْدِيدِ، كَمَا قَالُوا: أَيُّمَا فُلَانٍ فَأَخْزَاهُ اللَّهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ هِيَ فَاعِلَةٌ مُنْقُوصَةٌ، فَسَأَلُوا فَقِيلَ لَهُمْ: فَمَا بَالُ الْعَرَبِ تُصَغِّرُهَا أيُيَّةً، وَلَمْ يَقُولُوا أُوَيَّةً؟ فَقَالُوا: قِيلَ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ فِي فَاطِمَةَ: هَذِهِ فَطِيمَةُ، فَقِيلَ لَهُمْ: فَإِنَّهُمْ يُصَغِّرُونَ فَاعِلَةً عَلَى فَعِيلَةٍ إِذَا كَانَ اسْمًا فِي مَعْنَى فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنْ تَصْغِيرِهِمْ فَاعِلَةً عَلَى فَعِيلَةٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ فَعْلَةٌ، صُيِّرَتْ يَاؤُهَا الْأُولَى أَلْفًا، كَمَا فُعِلَ بِحَاجَةٍ وَقَامَةٍ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّمَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي أَوْلَادِ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ: لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَقِيلَ فِي نَوَاةٍ نَايَةٌ، وَفِي حَيَاةٍ: حَايَةٌ.
[1] تقدم رد هذا الوجه الفاسد، لما يترتب عليه من عدم الوثوق بالشرائع. والله أعلم.