الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: مُمْتَنِعًا مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: حُصِرْتُ مِنْ كَذَا أُحْصَرُ: إِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: حُصِرَ فُلَانٌ فِي قِرَاءَتِهِ: إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ حُصِرَ الْعَدُوُّ: حَبَسَهُمُ النَّاسُ وَمَنَعَهُمْ إِيَّاهُمُ التَّصَرُّفَ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلَّذِي لَا يَخْرُجُ مَعَ نُدَمَائِهِ شَيْئًا: حَصُورٌ، كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ:
[البحر البسيط]
وَشَارِبٍ مُرْبِحِ بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي ... لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَوَّارِ
وَيُرْوَى بَسَآّرِ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِلَّذِي لَا يُخْرِجُ سِرَّهُ وَيَكْتُمُهُ: حَصُورٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ سِرَّهَ أَنْ يَظْهَرَ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ:
[البحر الكامل]
وَلَقَدْ تَسَقَّطَنِي الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا ... حَصِرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمَ ضَنِينَا
وَأَصْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَنْعُ وَالْحَبْسُ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:"الْحَصُورُ: الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ"
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} قَالَ: الْحَصُورُ: الَّذِي لَا يَغْشَى النِّسَاءَ، وَلَمْ يَكُنْ مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ [1] ""
عَنِ الضَّحَّاكِ:"الْحَصُورُ: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ مَاءٌ"
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: رَسُولًا لِرَبِّهِ إِلَى قَوْمِهِ، يُنْبِئُهُمْ عَنْهُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَيُبَلِّغُهُمْ عَنْهُ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ إِلَيْهِمْ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مِنَ الصَّالِحِينَ} مِنْ أَنْبِيَائِهِ الصَّالِحِينَ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَمَا أَصْلُهَا بِشَوَاهِدِ ذَلِكَ وَالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
[1] قال الفخر الرازي:
وَالْحَصْرُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ، وَالْحَصُورُ الَّذِي يَكْتُمُ السِّرَّ وَيَحْبِسُهُ.
وَأَمَّا الْمُفَسِّرُونَ: فَلَهُمْ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَانَ ذَلِكَ لِصِغَرِ الْآلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ الْإِنْزَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ، فَعَلَى هَذَا الْحَصُورُ فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَأَنَّهُ قَالَ مَحْصُورٌ عَنْهُنَّ، أَيْ مَحْبُوسٌ، وَمِثْلُهُ رَكُوبٌ بِمَعْنَى مَرْكُوبٍ وَحَلُوبٌ بِمَعْنَى مَحْلُوبٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا فَاسِدٌ لِأَنَّ هَذَا مِنْ صِفَاتِ النُّقْصَانِ وَذِكْرُ صِفَةِ النُّقْصَانِ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ ثَوَابًا وَلَا تَعْظِيمًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ لَا لِلْعَجْزِ بَلْ لِلْعِفَّةِ وَالزُّهْدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَصُورَ هُوَ الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ حَصْرُ النَّفْسِ وَمَنْعُهَا كَالْأَكُولِ الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ الْأَكْلُ وَكَذَا الشَّرُوبُ، وَالظَّلُومُ، وَالْغَشُومُ، وَالْمَنْعُ إِنَّمَا يَحْصُلُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُقْتَضِي قَائِمًا، فَلَوْلَا أَنَّ الْقُدْرَةَ وَالدَّاعِيَةَ كَانَتَا مَوْجُودَتَيْنِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ حَاصِرًا لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَصُورًا، لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى تَكْثِيرِ الْحَصْرِ وَالدَّفْعِ إِنَّمَا تَحْصُلُ عِنْدَ قُوَّةِ الرَّغْبَةِ وَالدَّاعِيَةِ وَالْقُدْرَةِ، وَعَلَى هَذَا الْحَصُورُ بِمَعْنَى الْحَاصِرِ فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. اهـ (مفاتيح الغيب. 8/ 212) .