وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ قَالَ:"لَمْ نَسْمَعِ الْعَرَبَ تَضُمُّ الْقَافَ فِي قَبُولٍ، وَكَانَ الْقِيَاسُ الضَّمُّ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ بِحَرْفٍ آخَرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُشْبِهُهُ"
وَأَمَّا، قَوْلُهُ: {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَأَنْبَتَهَا رَبُّهَا فِي غِذَائِهِ وَرِزْقِهِ نَبَاتًا حَسَنًا حَتَّى تَمَّتْ فَكَمُلَتِ امْرَأَةً بَالِغَةً تَامَّةً.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَكَفَّلَهَا} فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (وَكَفَلَهَا) مُخَفَّفَةَ الْفَاءِ بِمَعْنَى: ضَمَّهَا زَكَرِيَّا إِلَيْهِ، اعْتِبَارًا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} بِمَعْنَى:"وَكَفَّلَهَا اللَّهُ زَكَرِيَّا."
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: {وَكَفَّلَهَا} مُشَدَّدَةَ الْفَاءِ بِمَعْنَى: وَكَفَّلَهَا اللَّهُ زَكَرِيَّا، بِمَعْنَى: وَضَمَّهَا اللَّهُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ زَكَرِيَّا أَيْضًا ضَمَّهَا إِلَيْهَا بِإِيجَابِ اللَّهِ لَهُ ضَمَّهَا إِلَيْهِ بِالْقُرْعَةِ الَّتِي أَخْرَجَهَا اللَّهُ لَهُ، وَالْآيَةُ الَّتِي أَظْهَرَهَا لِخُصُومِهِ فِيهَا، فَجَعَلَهُ بِهَا أَوْلَى مِنْهُمْ، إِذْ قَرَعَ فِيهَا مَنْ شَاحَّهُ فِيهَا. وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ زَكَرِيَّا وَخُصُومَهَ فِي مَرْيَمَ إِذْ تَنَازَعُوا فِيهَا أَيُّهُمْ تَكُونُ عِنْدَهُ، تَسَاهَمُوا
بِقِدَاحِهِمْ فَرَمَوْا بِهَا فِي نَهْرِ الْأُرْدُنِّ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: رَتَبَ قَدَحُ زَكَرِيَّا، فَقَامَ فَلَمْ يَجْرِ بِهِ الْمَاءُ وَجَرَى بِقِدَاحِ الْآخَرِينَ الْمَاءُ، فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِزَكَرِيَّا أَنَّهُ أَحَقُّ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهَا.