يَعْنِي أَنَّ دِينَهُمْ وَاحِدٌ وَطَرِيقَتَهُمْ وَاحِدَةٌ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} إِنَّمَا مَعْنَاهُ: ذُرِّيَّةٌ دِينُ بَعْضِهَا دِينُ بَعْضٍ، وَكَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَمِلَّتُهُمْ وَاحِدَةٌ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: وَاللَّهُ ذُو سَمْعٍ لِقَوْلِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ، وَذُو عِلْمٍ بِمَا تُضْمِرُهُ فِي نَفْسِهَا، إِذْ نَذَرَتْ لَهُ مَا فِي بَطْنِهَا مُحَرَّرًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي} «فَ» إِذْ «مِنْ صِلَةِ» سَمِيعٌ"وَأَمَّا امْرَأَةُ عِمْرَانَ فَهِيَ أُمُّ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ أُمِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَكَانَ اسْمُهَا فِيمَا ذُكِرَ لَنَا حَنَّةُ ابْنَةُ فَاقُوذَ بْنِ قُتَيْلٍ"
«فَأَمَّا زَوْجُهَا فَإِنَّهُ عِمْرَانُ بْنُ يَاشَهْمَ بْنِ آمُونَ بْنِ مِنْشَا بْنِ حِزْقِيَا بْنِ أَحْرِيقَ بْنِ يُويَمَ بْنِ عَزَارَيَا بْنُ أَمِصْيَا بْنِ يَاوِشَ بْنِ احْرِيهُو بْنِ يَازِمَ بْنِ يَهْفَاشَاطَ بْنِ اشْابَرَابَانَ بْنِ رَحْبَعْمَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ إِيشَا»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: إِنِّي جَعَلْتُ لَكَ يَا رَبِّ نَذْرًا أَنَّ لَكَ الَّذِي فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا لِعِبَادَتِكَ، يَعْنِي بِذَلِكَ: حَبَسْتُهُ عَلَى خِدْمَتِكَ وَخِدْمَةِ قُدُسِكَ فِي الْكَنِيسَةِ عَتِيقَةً مِنْ خِدْمَةِ كُلِّ شَيْءٍ سِوَاكَ، مُفَرَّغَةً لَكَ خَاصَّةً.
وَنَصَبَ «مُحَرَّرًا» عَلَى الْحَالِ مِنْ «مَا» الَّتِي بِمَعْنَى «الَّذِي» {فَتَقَبَّلْ مِنِّي} أَيْ فَتَقَبَّلْ مِنِّي مَا نَذَرْتُ لَكَ يَا رَبِّ {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
يَعْنِي: إِنَّكَ أَنْتَ يَا رَبِّ، السَّمِيعُ لِمَا أَقُولُ وَأَدْعُو، الْعَلِيمُ لِمَا أَنْوِي فِي نَفْسِي وَأُرِيدُ، لَا يَخْفَى عَلَيْكَ سِرُّ أَمْرِي وَعَلَانِيَتُهُ.