فإن قيل: أيجوز (بلغني البلدُ) في موضع (بلغْتُ البلدَ) ؟ قيل: إنما جاز في الكِبَرِ؛ لأن الكبَر بمنزلة الطالب، فهو يأتيه بحدوثه فيه، والإنسان أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه، ولا يجوز مثل ذلك في البلد، وليس الكبَر بمنزلة البلد، إنما هو بمنزلة: القول، والعطاء، والإفضال، والعقاب؛ فكما يجوز: (بلغني عطاؤك) ، و (بلَغَتْ زيداً جائزتُكَ) ، (وبلغ عبدَ اللهِ عقابُكَ) ، جاز أن يكون البلوغُ منسوباً إلى الكِبَر.
قال ابن عباس في رواية الضحاك: كان زكريا يوم بُشِّر بالولد ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمانٍ وتسعين سنةً.
وقوله تعالى: {وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} . العاقِر من النساء: التي لا تلد. يقال: (عَقُرَت، تعْقُرُ، عُقْراً، وعَقارةً) .
أنشد الفراء:
إرْزامَ نابٍ عقُرت أعواماً ... فَعَلِقَتْ بُنَيَّها تَشْماما
ويقال أيضًا: (عَقُرَ الرجلُ، وعَقَرَ، وعَقِرَ) : إذا لم يُحمل له. و (رجلٌ عاقرٌ) .
قال عامرُ بن الطُّفَيْل:
لبئس الفتى إنْ كنتُ أعورَ عاقرًا ... جبانًا فما عذري لدى كلِّ مَحْضَرِ
قال أبو إسحاق: قوله: {وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} ، في هذا دليل على أن (عاقرًا) وقع على جهة النَّسَب؛ لأنَّ (فَعُلَت) أسماء الفاعلين فيه على (فَعِيلَة) نحو: (ظَريفة) ، و (كَريمة) ؛ وإنما (عاقر) على: (ذات عُقْرٍ) ،
و (رجالٌ ونساءٌ عُقُرٌ) وفي الحديث: (عُجُزٌ عُقُرٌ) .
ويقال: (أعقَر اللهُ [رحِمَها] ) ، فهي (مُعْقَرَةٌ) . و (رملٌ عاقِر) : لا يُنبِت شيئاً.
وذَكر زكريا عليه السلام عُقْرَ زوجته مع كِبَر نفسه؛ لزيادة ترجيحٍ في الاستبعاد، فلمَّا استفهم عن كيفيَّة حال الولادة؛ قيل له: {كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} ؛ أي: مثل ذلك من الأمر، وهو: هبة الله الولدَ على الكِبَر، يفعل الله الذي يشاؤه، فسبحان من لا يعجزه شيء. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 5/ 232 - 239} .