8 -يدل قوله تعالى:"فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ" [البقرة: 233] على انتقاء الزوجية؛ لأن الآية تجيز اتفاق الأبوين على ترك إرضاع المولود، وهذا لا يتصور إلا في حالة الطلاق.
9 -ختمت الآية بالحديث عن جواز أن ترضع الولد غير والدته، وهذا يحدث غالباً عند تفرق الأبوين.
إن هذه المعالم المنتزعة من سياق الآية فقط تبين - على تفاوتٍ في دلالتها - أن العموم غير مقصود في هذه الآية، وأن الاعتماد على قرينة السياق كان أولى في التقديم، وفى الكشف عن مراد الله فيها.
إن النظر في معنى الآية في ضوء السياق أدى إلي تجنب ما ظهر في الآية من إشكالات، حين حكم العموم فيها، وليس في الاحتكام إلي السياق ما يخل في أحكام الرضاع بعامة؛ لأن حكم إرضاع الوالدات غير المطلقات أولادهن يؤخذ من الآية بالطريق الأوْلى [13، جـ 2، ص 409] ، والعكس متعذر، كما أن حكم إرضاع الوالدات غير المطلقات أولادهن قد يؤخذ من غير هذه الآية [28، جـ 2، ص 430] ، وليس من غرض هذا البحث تتبع هذا، بخاصة أننا توسعنا قليلاً في التفصيل في هذا المثال، وسوغ لنا هذا - فيما نرى - الحرص على بيان أثر السياق، وتسويغ تقديمه على العموم في بعض المواضع.
الخاتمة:
يمكن أن نقرر على هدًى مما سبق عرضه: أن فهم النص دوَّار مع السياق، وأن له فيه قسطاً من التحكم، بخاصة إذا لم تزاحمه قرينة أخرى نصبها صاحب النص دليلاً على المعنى المراد، الذي هو أعلم به، وقد يكون هذا الدليل - في مجال تفسير القرآن - آية ذات معنى صريح، أو حديث صحيح، ويلحق بهما إجماع الحجة.
عُني كثير من المفسرين بالسياق، ورعوه حق رعايته، وأنزلوه منزلته من لدن الإمام ابن جرير الطبري، الذي أجاد وأفاد في مجال التأصيل والتطبيق، ووصولاً إلي مدرسة المنار التي رفعت شعار العودة إلي النص والاحتكام إليه، والتي كانت العناية بالسياق أبرز مظاهره.