ذهبت طائفة أخرى من المفسرين إلى تخصيص الوالدات، ثم اختلفوا، فمنهم [36، جـ 3، ص 160] من جعلها في الزوجات خاصة؛ لأن الآية نصت على النفقة والكسوة، والمطلقة لا تستحق إلا النفقة، ويشكل عليهم الربط بين الرضاع والنفقة والكسوة، وهذا - كما أسلفنا - غير متصور في حق الزوجة.
أغرب هذا الفريق في الرد، فقال: نصت الآية على النفقة والكسوة للزوجة المرضع مع أنها ثابتة بالزوجية؛ حتى لا يتوهم متوهم أن اشتغال الزوجة بالإرضاع يسقط النفقة والكسوة؛ لأنه قد يؤدي إلى تضييع شيء من حقوق الزوجة [35، جـ 6، ص 100] ، وفي هذا الرد برود وتكلف، وجرأة على النص، دفع إليه التمسك بالعموم وتجاهل السياق. قال صاحب المنار:"وهذا الترجيح مرجوح لا يلتفت إليه؛ لأنه مبني على الاحتجاج بقول الفقهاء، وهو أن المطلقة المرضع تستحق الأجرة دون النفقة والكسوة على القرآن، وهذا القول أضعف الأقوال" [13، جـ 2، ص 409] ، ويرى أبو زهرة أنه قول لا حجة له [16] .
إن الإشكالات البارزة التي وردت على القولين السابقين، وما أعقبها من ردود متكلفة مردها تجاهل السياق القرآني، وتفسير المفردات بعد انتزاعها من سياقها، والدخول إلى النص بمقرر سابق.
ترى طائفة ثالثة من المفسرين أن الوالدات في الآية هن المطلقات بخاصة، ودليلهم السياق العام منه والخاص، أما العام فإن الآية جاءت في سياق الحديث عن أحكام الطلاق، فقد بدأ هذا الحديث من الآية 226 من السورة، واستمر إلى الآية 243 من السورة نفسها، وجاءت آية الرضاع في الوسط منها (233) ، وغير جائز - كما قال الإمام الطبري في أكثر من موضع - صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجة يجيب التسليم لها [20، جـ 9، ص 389] . ولا يعكر على هذا وجود بعض آيات خارج أحكام الطلاق جاءت بعد آية الرضاع؛ فإن علم المناسبات كفيل بالكشف عن سر الترابط بينها، وقد كان.
أما السياق الخاص الذي انتظمت فيه لفظة الوالدات فإنه ناطق بأنها في المطلقات، ويمكن الكشف عن دلالة السياق على هذا من خلال المعالم الموجزة التالية: