الثاني: أن ما ذهب إليه المفسرون في تفسيرهم لهذه الآية ملتئم مع سياقها لمن تدبر؛ فإن تبديل الأحكام ونسخها يستدعي قدرة، والنسخ تصريف لبعض شؤون الكون؛ فيناسبه الحديث عن ملك الله للسموات والأرض، وفي قوله تعالى:"أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ" [البقرة: 108] تحذير مما قد يقع من اعتراض على الأحكام والمجادلة فيها؛ لأن النسخ مظنة لهذا [25، جـ 2، ص 431؛ 26، جـ 1، ص 87؛ 57، جـ 1، ص 129؛28، جـ 1، ص 666] .
خالفت المدرسة نفسها كذلك جمهور المفسرين قديماً وحديثاً في تفسير الموت والحياة في قوله تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ" [البقرة: 243] .
لقد فسروا الموت بالتيه والصغار وزوال عزهم، وفسروا الحياة بالخروج من التيه، وعودة العزة والكرامة لهم، واعتمدوا في تفسيرهم هذا على السياق؛ فإنه في الحث على الجهاد والتحريض عليه، وليس في مقام الحديث عن البعث والنشور، ولم تتضمن الآية الإشارة إلى قدرة الله تعالى التي تصاحب عادة الحديث عن البعث، وإنما ختمت الآية بالحديث عن فضل الله تعالى على الناس، المتمثل في تأديبهم، ثم في إعادة الكرامة والعزة لهم [13] .
وحسبنا دليلاً على بطلان هذا التفسير أنه مخالف لما أجمع عليه المفسرون قديماً وحديثاً [14] ، عدا الشيخ محمد عبده ومن تابعه، فلا يقوى السياق على منازعة هذا الإجماع، كما لا يقوى هذا السياق على صرف اللفظ عن ظاهره، وحقيقته إلى معنى مجازي، حتى لو صح أن في الآية تنازعاً بين الظاهر والسياق،"فإنه إذا تُنوزع في تأويل الكلام؛ كان أولى معانيه في أغلبه على الظاهر، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليل واضح على أنه معني به غير ذلك" [20، جـ 8، ص 91] ، ولا يشفع للمخالفين الاستدلال بأن الموت ورد في القرآن بالمعنى المجازي، وكذا الحياة؛ لأن السياق هناك أسهم في الحمل على هذا المعنى.