إن هذا التوجيه أنسب إلى الساقي، وأليق بحال يوسف - عليه السلام، وأقرب إلى شخصية الساقي، وما ذهب إليه صاحب (التحرير) [28، جـ 12، ص 278] حين جعل الضميرين يعودان على يوسف والساقي في آنٍ واحد بعيد، وفيه اضطراب، وإن بدا أنه جمع بين التوجيهات السابقة.
يسهم السياق أيضاً في الانتصار لقاعدة عود الضمير إلى أقرب مذكور في مواطن كثيرة، منها ما جاء في قوله تعالى:"فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً" [مريم: 24] .
تباينت وجهات نظر المفسرين في تعيين المنادي لمريم، فقال بعضهم: المنادي هو جبريل - عليه السلام - [36،جـ 11، ص 93؛ 40، جـ 8، ص 151] ، لأنه أخبرها بما من شأنه أن يكون توجيهاً من الله تعالى.
قالت طائفة [35، جـ 21، ص 174] : المنادي هو عيسى - عليه السلام، ودليلهم سياق الضمائر، وعودة الضمير في (فنادها) إلى أقرب مذكور، وهو عيسى - عليه السلام.
يؤيد هذا أن الضمائر السابقة في سياق واحد، وكلها تعود إلى عيسى، (ولنجعله) (ورحمة منا) ، (فحملته) ، (فانتبذت به) ، (فنادها) ، فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر، كلها عائد إلى عيسى عليه السلام اتفاقاً، إلا ضمير (فنادها) ، فإلحاقه بها أنسب للسياق [17،جـ 2، ص 628] .
ويشهد لهذا التوجيه أيضاً ما جاء في الآية التي بعدها:"فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ" [مريم: 29] ، أي ليتكلم، فلو لم يكن قد سبق له الكلام لما أشارت إليه، وواضح أنها أشارت إليه ليكلموه؛ لأنهم قالوا لها في السياق نفسه:"قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً" [مريم: 29] ، وعندها تكلم فقال:"قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ" [مريم:30] ، يضاف إلى دليل السياق هذا قراءة متواترة، وهي: (فنادها مَنْ ) [48، جـ 2، ص 86] على أنها اسم موصول بمعنى: الذي. وهي نص في التعيين.
نصٌّ من آية، أو حديث صحيح، أو إجماع للمفسرين، أو دليل من اللغة صريح، وهذا من تمام إقامة الحجة على الناس بهذا الكتاب الكريم،"فإن ما يحتاج الناس إلى معرفته؛ نصب الله على الحق فيه دليلاً" [15، جـ 1، ص 55] .
التنازع بين السياق وغيره من القرائن: