لم يقتصر أثر السياق على ما ذكرنا من مواطن، وإنما له حضور حيثما وجدت الاحتمالات في معنى الآيات، وما يترتب عليها من اختلافات، فقد كان له دور بارز في تحديد عود الضمير، وهو من الأساليب التي يكثر دورانها في التفسير، وله صور متعددة [6] ، وحسبنا بعض الصور التي يتضح من خلالها أثر السياق بما يتسع له المقال.
تأتي في بعض الآيات ضمائر متعددة في سياق واحد، وتحتمل في مرجعها أقوالاً متعددة، فتوحيد مرجعها وإعادتها إلى شيء واحد أولى وأحسن؛ لانسجام النظم واتساق السياق [17، جـ 2، ص 613] ، من ذلك عود الضمائر في قوله تعالى:"وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ" [يوسف: 42] .
للمفسرين في عود الضمير في قوله (فأنساه) وقوله (ربه) أقوال: فقد ذهب بعضهم [35، جـ 18، ص 117، 41، جـ 12، ص 248] إلى أن الضميرين يعودان على يوسف - عليه السلام - ويكون المعنى: أنسى الشيطان يوسف ذكر الله تعالى، فلبث في السجن بضع سنين عقاباً له على سؤاله غير الله.
وذكر بعض المفسرين [25، جـ 7، ص 517] أن الضميرين يعودان إلى ساقي الملك، ويكون المعنى: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر قصة يوسف للملك، ولهذا لبث يوسف في السجن بضع سنين.
إن سياق الآيات يشهد للمعنى الثاني؛ فإن الاتفاق قائم على أن مرجع الضمير في قوله"عِنْدَ رَبِّكَ" [الأعراف: 206] يرجع للساقي، فكان المناسب للسياق أن يكون ما بعده"فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ" [يوسف: 42] عائداً على الساقي؛ حتى لا تتفرق الضمائر، والذي يرى الزمخشري أنه يؤدى إلى تنافر النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي [26، جـ 2، ص 536] .
جاء في سياق القصة قوله تعالى:"وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ" [يوسف: 45] ، وهذا شاهد قوي على أن الذي نسي، ثم ذكر بعد عدة سنوات هو الساقي، وبهذا التوجيه ينتظم السياق؛ فتصبح (اذكرني) الأولى و (ذكر ربه) الثانية مسندة إلى الساقي، ويكون (عند ربك) و (ربه) أيضاً مراداً بهما الملك رب الساقي.