يرى الفريق الثاني أن فؤاد أم موسى أصبح فارغاً من الصبر عليه [26، جـ 3، ص 158؛ 41، جـ 20، ص 48؛ 43، جـ 13، ص 96؛ 44، جـ 20، ص 20] ، أو فارغاً من وعد الله تعالى لها، حيث نسيت هذا الوعد [45، جـ 2، ص 432؛ 37، جـ 3، ص 398] ، مما يعنى أنها لم تبد جلداً أو صبراً على فراقه، لولا أن تداركها الله؛ فربط على قلبها.
لما كان سياق النص لا يتضمن من أي شيء أصبح فؤادها فارغاً، وليس بين أيدينا دليل خارجي يُركن إليه في تقديم معنى على آخر، فليس أمامنا إلا السياق، نحتكم إليه دونما اصطحاب لمقرر سابق في الذهن؛ لأنه يلقي بظلاله على دلالة النص لا محالة، وهو ما يمكن ملاحظته عند أصحاب الرأي الأول.
أن الذي يبدو بعد النظر والتأمل في سياق القصة، العام منه والخاص: أن المعنى الثاني هو الأليق بأحداث القصة، والأنسب للسياق، وندلل على هذا القول بعدة قرائن أذن بها السياق، نمهد لها بالإشارة إلى أن الوحي الوارد في أول القصة إنما هو - فيما يظهر لنا - إلهام وانشراح صدر تجاه الفعل.
وليس هو كوحي الله تعالى لأنبيائه، وإذا كان ذلك كذلك؛ فإنه لن يحول دون شعور أم بالخوف والاضطراب بعد أن ألقت ابنها في الماء، وليس في هذا منقصة لها.
لقد نسب القرآن الكريم الخوف إلى موسى نفسه في عدة مواطن:"فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ" [القصص: 18]
"فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى" [طه: 67] ، وليس في ذلك ما يضير، وإنما هو الصدق في الإخبار، والواقعية في العرض، فلا غرو أن يكون القصص القرآني أحسن القصص.
إن في السياق قرائن تدل على أن أم موسى انتابها شيء من الخوف والقلق على ابنها؛ فإن فؤادها أصبح فارغاً، ويعبر بفراغ الفؤاد عن ذهاب العقل، ومثله قوله تعالى:"وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء" [إبراهيم: 43] . لا عقول فيها [25، جـ 11، ص 267] ، وإن شاع في كلام الناس"فلان خلي البال"، إذا كان لا هم بقلبه [26، جـ 3، ص 158] ، لكن السياق يأباه، ثم لا أدري: هل هذا المعنى حادث بعد نزول القرآن، أو لا؟ فإن كان كذلك؛ فلا يحمل عليه القرآن البتة.