إذا كان السياق قد أنصف يحيي - عليه السلام - ونزهه عن صفات النقص، فقد أنصف أمه الكريمة في موضع آخر مشابه، يتضح هذا في قوله تعالى:"وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" [الأنبياء: 90] .
اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى:"وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ" [الأنبياء: 90] ، قال بعضهم: أصلح الله تعالى خُلُقَها ودينها، لأنها كانت سيئة الخُلُق [36، جـ 11، ص 336؛ 37، جـ 3، ص 275؛ 39، جـ 4، ص 212] ، وقال بعضهم: أصلح الله لها لسانها؛ لأنها كانت بذيئة الكلام [40، جـ 4، ص 368؛ 35، جـ 21، ص 236] .
أغرى أصحاب هذا التفسير أمران:
الأول: أن استعمال القرآن لكلمة الإصلاح إنما يكون في إصلاح أمور الدين والخلق [35، جـ 22، ص 188] .
الثاني: أن أصلحنا عطفت على وهبنا، والعطف يقتضي التغاير، فدفعهم هذا على حمل أصلحنا على معنى بعيد عن سياق الآية.
كلا الأمرين غير لازم، فإن الدلالة العامة لمعنى الإصلاح [9، ص 489] تستوعب المعنى الذي سيقت من أجله المفردة، حتى لو فرض وجود شيء من التجوز في الاستعمال، فلا ضير إذا كان السياق يستوجب هذا، فالأمر كما قال الزركشي أن يكون"محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي؛ لثبوت التجوز" [27، جـ 1، ص 317] .
جاء تقديم"وهبنا"على"أصلحنا"من باب تقديم الأهم وما تتوق النفس إليه، كما أن العطف لا يقتضي الترتيب.
إذا كان ذلك كذلك، فيترجح في ضوء السياق أن المراد بالإصلاح في الآية: أن الله جعلها ولودا مهيأة للإنجاب، بعد أن كانت عاقراً كما دل على هذا سياق القصة [25، جـ 10، ص 20؛ 21، جـ 3، ص 203؛ 41، جـ 17، ص 187؛ 28، جـ 17، ص 136] .