بيد أن ما يستحسن ذكره بإزاء هذا الذي تقدم، أن حكاية الخلاف وذكر الأقوال في تفسير الآية، دون تنبيه على الراجح منها يضيع الحق، ويظهر النقص على حاكيه [15، جـ 1، ص 80؛ 32، ص 149] ، ويجعل القارئ لكتب التفسير في حيرة من أمره، حين لا يتبين له مراد الله تعالي، وتزداد الحيرة إذا كانت هذه الأقوال متعارضة.
يكثر صنيع المفسرين المشار إليه آنفاً في آيات القصص القرآني بخاصة، وقد تكون الحجة أن منهج القرآن يقوم في ذكره للقصص على العرض الإجمالي وتجنب التفصيلات، وقد يسهم هذا في تكثير الأقوال المحتملة، والذهاب بالفهم كل مذهب، بخاصة عند من يبحث عن التفصيلات والجزئيات، والتي سيجدون بعضها في كتب الأمم السابقة؛ لاتفاقها مع القرآن الكريم في ذكر أصل بعض هذه القصص مع الاختلاف في العرض والمنهج.
يبدو لنا أن المخرج من هذا هو العودة إلى السياق الداخلي للقصة، والاحتكام إلى النص بسياقه، بعد أن تعذر الاستئناس بالسياق الخارجي؛ لعدم الثقة بأكثره، في حين يمكن للمفسر وهو يستعين بالسياق الداخلي أن يستبعد الأقوال الدخيلة، ويختار المعنى المناسب والمتجه مع مقاصد القرآن العامة.
نوضح هذا الذي عرضنا له من خلال بعض المشاهد من القصص القرآني، ونبدأ بدعوة زكريا عليه السلام؛ حيث طلب من ربه أن يهبه ذرية طيبة، قال تعالى:"هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء * فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ" [آل عمران: 38 - 39] .
ورد في سياق الحديث عن يحيى وأوصافه وصفه بأنه"حصورا"، والحصر لغة: الحبس والمنع، وقد اختلف المفسرون في دلالة هذا الوصف في ضوء المعنى اللغوي:
قال بعضهم: الحصور هو الذي يكتم السر، واستدلوا بقول جرير:
وَلَقَدْ تَسَاقَطَنِي الْوُشَاةِ فَصَادَفُوا ... حَصْرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمُ ضَنِينَا
[33، جـ 2، ص 268] .