تضيء هذا التوجه نظرة إلى كتب الأشباه والنظائر التي جمعت للكلمة الواحدة في القرآن دلالات متعددة، يعود للسياق الفضل في اكتسابها لهذه المعاني في ضوء الدلالة اللغوية، ذلك أن"دلالة اللفظ في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية" [14، جـ 6،ص 14] ، بخاصة أن دلالته تختلف، كونه مفرداً أو مقروناً [15، جـ 1، ص 260] .
إن لكلمة"أمر"في القرآن الكريم ستة عشر معنى [16، ص 38] ، ولكلمة"الرحمة"أربعة عشر معنى [16، ص 347] ، ولكلمة"فتن"أحد عشر معنى [16، ص 347] ، أدت كل كلمة منها المعنى المراد الذي يفرضه السياق.
لقد عُني المفسرون منذ وقت مبكر بالسياق القرآني؛ لما له من أثر فاعل في الكشف عن مراد الله تعالى في كتابه، وكان له - السياق - حضور بارز إلى جانب القرائن الأخرى؛ كأسباب النزول، واللغة، والعموم، وربما قُدم على بعضها، أو تحكم بها؛ لتوقف المعنى العام عليه؛"فإنه عند التفاضل بين هذه القواعد؛ لابد من مراعاة السياق دائماً، فهو المقصود بهذه القواعد، حتى يفهم على وجهه" [17، جـ 1، ص 98] .
جعل الشاطبي مراعاة السياق مظهراً من مظاهر الاعتدال في التفسير المفضي إلى الفهم السليم، حين قال:"فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده، ولا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض [18، جـ 3، ص 855؛ 19، جـ 1، ص 156] ."
إن هذا القانون الذي يجعل السياق محل اعتبار كان سمة صاحبت التفسير منذ بداياته الأولى - وبجهد متميز من شيخ المفسرين الإمام الطبري؛ تأصيلاً وتطبيقا - وإلى العصر الحديث.