ولده المطبوعة في خياله بشرًا سويًّا فحدثه وهْمُه بأنه يراه حقيقة فخاطبه بما خاطبه
به حتى إذا تنبه بتنبيه آخر لم يَرَ شيئًا. وهذه الرؤية من قبيل الأحلام المنامية.
وقد رأيت امرأة مخبولة تخاطب الأموات وتخبر عن حالهم عند ما يمرون في خيالها:
هذا فلان يقول كذا هذا فلان يقول كذا، وكثيرًا ما تكون الغيبة عن الحس للعشاق
باستحواذ الخيالات والأوهام عليهم حتى إن أحدهم لفرط شغفه واشتغال فكره
بمعشوقه يمثله له خياله فيتوهم أنه موجود أمامه حقيقة فيقابله بما يليق به من الآداب،
ويرفع إلى أعتاب جنابه ما شاء من العتاب وفي ذلك قال قائلهم:
يمثلك الشوق الشديد لناظري ... فأطرق إجلالاً كأنك حاضر
ومنه الحكاية عن عاشقة تقول:
فليس نومًا خفض رأسي إنما ... أسجد للطيف الذي قد سلّما
فإنني استزرته توهما ... فزارني ورقّ لي ترحما
لما رأى في الجفن فعل السهدِ ... وقال لي بالله ما أضناكي
قد كلّ عنك نظر الإدراكِ ... نامي بجفني فاقصدي مناكي
كما تريه أنت أو يراكي ... فليس لي بغير ذا من جهدِ
ومثل هذا في كلامهم كثير وفيه يقال: الجنون فنون، وكل حزب بما لديهم
فرحون!
(النتيجة)
إن ما نقل عن كثير من عباد المسلمين والنصارى وغيرهم من رؤية الأنبياء
والأولياء والرؤساء الروحيين صحيح فإن حال الأشخاص في الرائين والناقلين في
بعض الوقائع ليس فيها شائبة الكذب؛ ولكن هذا ليس من الخوارق الحقيقية ولا تلك
المشاهدات دليل على أن صاحبها على الحق وإنما هو تأثير الحب والشغف وكثرة
الفكر والتخيل في الشيء مع تأثير الوجدان به يضعف الحواس، ويقوي الوسواس،
فيغيب صاحبه عن حاله، ويحضر مع خياله. ومن الناس من كان يستعين على
إثارة رواكد الخيال بما يضعف الحواس والعقل من المخدرات كالحشيشة المعروفة
فقد كان أول من استعملها الباطنية والمتصوفة ولذلك كانت تسمى حشيشة الفقراء
كان شيوخهم يشغلون فكر المريد ببعض الأموات المعتقدين أو بالجنة مثلاً ويناولونه
شيئًا من الحشيشة فتخدر حواسه فيتجسم ما في خياله من الصورة التي كان وجَّهه
الشيخ إليها فتتمثل له في صورة بديعة وما كان المريدون يعلمون بأن لما تناولوه من