ففهم أن الإنسان لا يزال يفكر في الميت الذي تتوجه إليه نفسه ويعمل في
إخطاره على قلبه حتى يتخيل أنه يراه معه؛ لأنه يغيب عن عالم الحس ويستغرق في
عالم الخيال.
وذكر الشعراني في ميزانه عن شيخه علي الخواص أن الأئمة المجتهدين كانوا
يرون النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة ويسألونه عن الأحكام المشكلة. ولو كانت هذه الرؤية حقيقة
مطردة لما اختلفوا؛ إذ لا يمكن أن يجيبهم بأجوبة مختلفة في المسألة الواحدة؛ ولما
توقفوا في بعض المسائل، فإن صح قوله فهي الجمعية الخيالية وهي لا تزيد
الإنسان على ما في نفسه على أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ادعى ذلك.
وفي الذهب الأبرز (ص 44 و 45) من النسخة المطبوعة بمصر سنة
(1292) أن ابن المبارك سأل الشيخ عبد العزيز الدباغ عن استحضار صورة النبي - صلى الله عليه وسلم -
في ذهن المؤمن هل هي من عالم الروح أو من عالم المثال أو من عالم الخيال؟
قال: فأجاب رضي الله عنه بأن ذلك الاستحضار من روح الشخص وعقله فمن
توجه بفكره إليه صلى الله عليه وسلم ووقعت صورته في ذهنه فإن كان ممن يعلم
صورته الكريمة لكونه صحابيًّا أو من العلماء الذين عنوا بالبحث عنها ثم حصلوها
فإنها تقع في فكره على ما هي عليه في الخارج. وإن كان من غير هذين فإنه
يستحضره في صورة آدمي في غاية الكمال في خلقه وخلقه فقد توافق الصورة التي
في فكره ما في الخارج وقد تخالفه، والحاضر في الفكر هو صورة ذاته صلى الله
تعالى عليه وسلم لا صورة روحه عليه الصلاة والسلام فإن الذي شاهده الصحابة
رضي الله تعالى عنهم وأخبر عنه العلماء هو الذات لا الروح الشريفة ولا يجول
الفكر إلا فيما يعلمه الشخص ويعرفه. فقولكم: هل هو من عالم الروح؟ إن أردتم
به الاستحضار فهو من عالم الروح أي: من روح المتفكر. وإن أردتم به الحاضر
أي: فهل الحاضر في أفكارنا روحه صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فقد سبق أنه ليس إياها، وأما المحادثة والمكالمة إذا حصلت لهذا المتفكر فإن كانت ذاته طاهرة
وتحبها روحه ولم تحجب عنه أسرارها وكانت معه كالخليل مع خليله فالمحادثة
معصومة وهي حق وإن كانت الذات على العكس فالأمر على العكس والله الموافق اهـ.