شيء من الخوارق الكونية التي يضل فيها الفهم، ولا يهتدي فيها الوهم، وهذه
المسألة كنا وعدنا ببيانها في المقالة السادسة.
(المسألة السادسة عشرة) أن ما يصح أن يسمى كرامة من هذه الغرائب التي
تظهر على أيدي الناس هو ما كان ثمرة لارتقاء الروح، وصفاء النفس؛ بل هذا هو
معنى ما ذكروه في كتب العقائد كما تقدم في المسألة الثامنة. وإذا كان الأمر كذلك
فالواجب أن تبقى هذه الثمرة معلقة بهذه الشجرة أي: يجب أن لا تتجاوز هذه
الخصوصية أهلها الخواص. فإذا تجاوزتهم إلى من لا يعرف منشأها كانت فتنة له
وضارة به؛ ولذلك قال كبار الصوفية والمتكلمين المثبتين للكرامات بوجوب إخفائها
لأنها فتنة للناس وضارة بهم ومن مبالغتهم في ذلك القول المأثور عن الشيخ أحمد
الرفاعي: إن الولي يستتر من الكرامة كما تستتر المرأة من دم الحيض!.
(المسألة السابعة عشرة) أكبر ضرر وأعظم فتنة في فشو الاعتقاد
بالكرامات بين العامة وكونها عند الصالحين صناعة من الصناعات، وأنها زلزلت
قاعدة العقائد الكبرى وهي توحيد الله تعالى وأوقعت الناس في ضروب من الشرك
الأصغر والأكبر. وليس زلزال التوحيد محصورًا في اعتقاد تعدد الخالقين
للسموات والأرض المشتركين في الإيجاد والتكوين وإنما الشرك في التماس المنافع
أو دفع المضرات من غير الله تعالى، وبواسطة غير سننه التي أقام بها نظام الكون
وجعل الانتفاع بها عامًّا لجميع خلقه.
بل ورد في الأحاديث تسمية الرياء في العبادة شركًا فكيف لا يكون دعاء
غير الله تعالى شركًا. روى أحمد وابن ماجه وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم
وصححه من حديث شداد بن أوس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يبكي
فقلت: ما يبكيك؟! فقال:(إني تخوفت على أمتي الشرك أما إنهم لا يعبدون
صنمًا ولا شمسًا ولا قمرًا ولا حجرًا ولكنهم يراؤون بأعمالهم)! وإنما سمي الرياء
شركًا؛ لأن المرائي يطلب منفعة من المرائَى والمنافع لا تطلب إلا من الله تعالى ومن
الطرق والأسباب التي سنها لها. والغرض من العبادة طبع ملكة الاعتماد على الله
تعالى في القلب لتقوية التوحيد فإذا لوحظ بها الناس وفعلت رئاءهم فقد قطعت