المؤمنين، فما من أحد منا إلا وقد رأى في بيته في وقت ما رزقًا لم يكن يتوقع
وجوده، وسأل عنه فأجيب من أهله بمثل: (الله بعثَه) وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ
مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (آل عمران: 37) لا يستلزم ما ذكروه لأنه يصدق
بالهدية والهبة من حيث لا تنتظران، وقد قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
مَخْرَجاًّ * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِب (الطلاق: 2 - 3) وهو يصدق بتهيئة
الأسباب التي لم تكن في حسبان الإنسان أيضًا، وليس المعنى أن يرزقه بالكرامات
وخوارق العادات، ومن المفسرين من قال: إن معنى الحساب في الآية الاستحقاق،
هذا وإن وجود فاكهة الصيف في الشتاء ليس من الخوارق كما لا يخفى على الخبير،
رب معترض يستدل بقوله: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (آل عمران: 38) على أن ما رآه عند مريم كان
من خوارق العادات، ولذلك طلب من الله تعالى أن يمنحه كما منحها، ويهب له
الذرية على كبر سنه ويأس أهله، ونقول في الجواب: ما كان لمؤمن أن يقول أن
نبيًّا علم جواز خرق العادة من ولي أو ولية، فحمله ذلك على طلب مثله لنفسه، وإن
كان يقتضيه كلام طائفة من المفسرين، ويكفي لإثارة ذلك الدعاء في نفس سيدنا
زكريا - عليه السلام- عند مريم سماعه إسنادها الرزق لله تعالى والثناء عليه بلطفه
بعبده حيث يرزقه بغير حساب، فإن المؤمن الكامل كلما سمع ذكر الله والثناء عليه
تنمو عظمته في قلبه، وكلما رأى إنعامه على خلقه يزيد رجاؤه في فضله وكرمه،
وحسبنا في هذا الجواب بيان أن الدعاء لا يقتضي أن يكون ما رآه من الخوارق،
وإن كان لا ينفيه أيضًا، وسيأتي الكلام على ما روي في تفسير الآيات؛ لأن كلامنا
الآن في الدليل القطعي.
اعترف بعض منكري وقوع الكرامات بأن ما وقع لمريم - عليها السلام - من
الخوارق، وأجابوا عنه بجوابين: (أحدهما) أنها كانت نبية، ونقل السبكي عن
القاضي أنه قال:(لم يقم عندي من أدلة السمع في أمر مريم وجه قاطع في نفي
نبوتها أو إثباتها)وأنّى يقوم له الدليل وهو على رأي من يقول: ما جاز أن يكون