حقيقيًّا مستندًا إلى الحس الذي لا شبهة فيه.
قال بعض المحققين: لو كان ما ينقله قومنا من الكرامات التي لا تُحصى واقعًا
حقيقة لما احتاجوا في إقناع المعتزلة إلى الاستنباط من الآيات بالوجوه الخفية التي لا
تفيد المطلوب، ولا تثبت المدعى وهو أن الخوارق واقعة فعلاً على أيدي
الصالحين، بل كانوا يفقئون أعينهم بكرامة واحدة من تلك الكرامات التي لا
تحصى، وإن المتأخرين ليعدون أولياء تلك الأزمنة التي حمي فيها وطيس الجدال
بين سلفهم والمعتزلة بالألوف، أما وجه الآية في ابن مريم النبي وأمه المختلف في
نبوتها فهو أن الأقسام العقلية في خلق الإنسان أربعة: (الأول) ما كان بغير
واسطة ذكر ولا أنثى وقد خلق الله تعالى آدم أول البشر كذلك. (الثاني) ما كان
بواسطة ذكر فقط وكذلك خلق أمّنا حواء. (الثالث) ما كان بواسطة ذكر وأنثى
وهو الناموس العام والسنة الإلهية المطردة، ولما نفذت قدرته تعالى في الأقسام
الثلاثة أراد أن ينفذها في القسم (الرابع) وهو ما كان بواسطة أنثى فقط ليعلم من بلغه
ذلك بالخبر الصادق أن قدرة الله تعالى حاكمة على نواميس الكون لا محكومة بها وأن
الله على كل شيء قدير، فلا يعتمد فيما وراء الأسباب الظاهرة التي أناط بها الأمور
إلا عليه وحده، فانجلى بهذا أن هذه الآية الإلهية ليست مما نسميه كرامات الأولياء،
فلا تصدق أنثى غيرها بمثله.
وأما حصول الرطب الطري من الجذع اليابس فهو ليس في القرآن، وإنما
المذكور في القرآن قوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِياًّ} (مريم: 25) وهو يصدق بالنخلة المثمرة، بل هو المتبادر ولو كان الجذع
يابسًا لوصف باليبس لإ ظهار الآية، ومثل هذا يقال في مسألة الرزق، فإن قولهم:
إن زكريا كان يجد عند مريم فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف
ليس في القرآن ما يدل عليه وإنما فيه أنه كان يجد عندها رزقًا، وقد سألها: أَنَّى
لَكِ هَذَا (آل عمران: 37) حيث كان هو الكافل لها والقائم بالإنفاق عليها
{قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} (آل عمران: 37) ومثل هذا الجواب معتاد من