أجمعون.
فإن قلت: أراك قد جعلت القرآن هو الأصل في أحكام الشريعة كلها، وهو إن
كان مبينًا لجميع ما يجب اعتقاده في الدين ولأصول التهذيب، فليس مبينًا لجميع
أحكام العبادات والمعاملات التي تدور عليها مصالح البشر، بل أكثر هذين القسمين
قد أخذ من السنة واستنباط الأئمة، أقول في جوابك: إن القرآن أصل السنة وينبوع
الاستنباط، وإليه يرجع الدين كله، وجميع ما فاض على لسان النبي صلى الله عليه
وسلم مستمد منه، وكل هاتيك الأنوار العلمية مقتبسة من شمسه المضيئة، ولقد كان
يفهم منه مالا يفهمه سواه، ولا ريب أن له طريقًا في الأخذ منه غير الطرق
المعروفة عند العلماء، وهو فيها على بينة من ربه، ومعصوم من الخطأ في الفهم
والأداء لها، قال تعالى: إِنَّا أنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ
اللَّهُ (النساء: 105) وقال تعالى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ
يُوحَى (النجم: 3 - 4) وربما كان ذلك الطريق هو الإلهام، وهو غير تعليم
الملَك المعروف، وقد صرح الأئمة وأهل الأصول بأن السنة مبينة للقرآن وشارحه
له، وقد انتهر سيدنا عمر رضي الله عنه مَن تكلم في حضرته كلامًا رغب فيه عن
سماع السنة اكتفاءً بالقرآن، واستبان منه معرفة الصلوات الخمس من القرآن، فكان
جوابه العي والحصر، وإذا تسنَّى لفهمه تناول كونها خمسًا من نحو قوله تعالى:
{أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الفَجْرِ} (الإسراء: 78)
ومن قوله: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (الروم: 17 - 18) فمن أين يتسنى له معرفة
كون الصبح ركعتين، والمغرب ثلاثًا والباقيات أربعًا أربعًا؟ وقد أرشد القرآن
إلى اتباع الرسول، واتباع سبيل المؤمنين، وإلى استنباط أولي العلم، وهذه هي
القواعد الثلاث التي يتفرع منها كل ما لم يؤخذ مباشرة من القرآن من أحكام الدين،
وظاهره أن المراد بسبيل المؤمنين هو ما يتفق أهل الاجتهاد والنظر الصحيح منهم