وأنكر أبو بكر هذا، وقال: الله تعالى قَرَنَ اصطفاءه [آل عمران] باصطفائه آدم ونوحاً، واصطفاؤه آدم ونوحاً قبل قول إمرأة عمران. وأيضاً فإن (عمران) هذا غير عمران المذكور في قوله: {وَآلَ عِمْرَانَ} ، لأنه عمران أبو موسى وهارون، وهذا عمران بن ماتان، وبينهما ألف وثمانمائة سنة. كذلك ذكره ابن عبّاس، ومقاتل.
وذكرنا أيضاً عن بعض أهل المعاني أن هذه الآية متصلة بما قبلها، فيكون العاملُ في {إِذْ} على هذا القول: معنى قوله {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
وقوله: {امْرَأَتُ عِمْرَانَ} هي: حَنَّةُ، أمُّ مريمَ، جَدَّةُ عيسى عليه السلام، دعت الله أنْ يَهَبَ لها ولداً، وقالت: الَّلهم لك عَلَيَّ إن رزقتني ولداً، أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سَدَنَتِه وخَدَمِه، شكراً لك. وكان على أولادهم فرضاً أن يطيعوهم في نذورهم، وكان الرجل ينذُرُ في ولده أن يكون خادماً في مُتعّبَّدِهم.
وقوله تعالى: {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} معنى {نَذَرْتُ} : أَوْجَبتُ.
والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه بِشَرِيطة كان، أو بغير شَرِيطة.
قال أهل اللغة: معنى النَّذْر: استدفاع المَخُوفِ، بما يُعقَد على النفس من عمل البِّر. وأصله، من: الإنذار، وهو: الإعلام بموضع المخافة.
وانتصب {مُحَرَّرًا} على الحال من {مَا} تقديره: نذرت لك الذي في بطني محرراً.
وقال ابن قتيبة: أرادت نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً، أي: عتيقاً خالصاً لله، خادماً للكنيسة، مفرغاً للعبادة ولخدمة الكنيسة. وكل ما أُخْلِصَ فهو مُحَرَّر. يقال: (حرَّرتُ العبدَ) . إذا أعتقته، و (حَرَّرْتُ الكتابَ) إذا أصلحته، وأخلصته، فلم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاحه.
و (رجل حُرٌّ) : إذا كان خالصاً لنفسه، ليس لأحد عليه مُتَعَلَّق. و (الطينُ الحُرُّ) : الذي خَلَصَ من الرملِ والحَمْأَةِ والعيوب.