تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية فِي نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس ، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة ، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية . لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر ، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه فِي شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس . فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير فِي الرجوع وتهلك فِي الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات . {ويحذركم الله نفسه} أي من صفات قهره {قل إن تخفوا ما فِي صدوركم} من معاداة الحق فِي ضمن موالاة النفس {ويعلم ما فِي السماوات} قلوبكم {وما فِي الأرض} نفوسكم {يوم تجد كل نفس ما عملت} أثر الخير والشر ظاهر فِي ذات المرء وصفاته ، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه فِي غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة ، فإذا مات انتبه وأحس ، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه فِي متابعة الرسول . واعلم أن للاتباع ثلاث درجات ، ولمحبة المحب ثلاث درجات ، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الاتباع ثلاث درجات . أما درجات الاتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله صلى الله عليه وسلم ، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه ، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله . وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن « جبلت القلوب على حب من أحسن إليها » وهذا حب يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون فِي الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب:
وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يرجى عليه ثواب