مما مر معنا في سورة آل عمران، عرفنا بعض خصائص الراسخين في العلم من كونهم يعملون بالمحكم، ويحملون عليه المتشابه، أو يسلمون لله تعالى فيه، ولا يعارضون النصوص ببعضها، ومن أنهم أهل لب، ومن أنهم خاشعون لله كثيرو الدعاء له. وسيأتي في آخر سورة آل عمران تعريف لأولي الألباب، الذين اجتمع لهم الذكر والتفكر، والدعاء والعمل، والهجرة حال وجوبها وتحمل ترك البلاد في سبيل الله، وتحمل الإيذاء في سبيل الله، والمشاركة في القتال إذا كان واجبا، والاستعداد للاستشهاد. كل ذلك علامات نتعرف بها على الراسخين في العلم، الذين لكلامهم وزن في موضوع المتشابه والمحكم، ولكن هذه كلها علامات، هي أثر العلم الحقيقي، فإذا اجتمعت مع العلم الحقيقي الكامل الشامل، وجد الراسخ في العلم، وإذا أردنا أن نأخذ تصورا عن العلوم التي يحتاجها الفهم لكتاب الله، فلنقرأ تصور السيوطي للعلوم التي يحتاجها المفسر لنأخذ تصورا مبدئيا عن الرسوخ في العلم، فلننقل كلامه ثم نعلق عليه قال السيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرآن:
«ومنهم من قال، يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج إليها المفسر، وهي خمسة عشر علما. أحدها اللغة: لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع.
الثاني: النحو: لأن المعنى يختلف باختلاف الإعراب.
الثالث: الصرف: لأن به تعرف الأبنية والصيغ.
الرابع: الاشتقاق: لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين، اختلف باختلافهما، كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح.
الخامس والسادس والسابع: المعاني، والبيان، والبديع: لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادة المعنى، وبالثاني: خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث: وجوه تحسين الكلام.
الثامن: علم القراءات، لأنه يعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض.
التاسع: أصول الدين: بما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما يجوز على الله تعالى، فالأصولي يؤول ذلك ويستدل على ما يستحيل، وما يجوز وما يجب.
العاشر: أصول الفقه، إذ به يعرف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط.