وهكذا يبدأ القرآن بالنفس البشرية من موضعها على الأرض.. وشيئاً فشيئاً يرف بها فِي آفاق وأضواء ، حتى ينتهي بها إلى الملإ الأعلى فِي يسر وهينة ، وفي رفق ورحمة. وفي اعتبار لكامل فطرتها وكامل نوازعها. وفي مراعاة لضعفها وعجزها ، وفي استجاشة لطاقاتها وأشواقها ، ودون ما كبت ولا إكراه. ودون ما وقف لجريان الحياة.. فطرة الله. ومنهج الله لهذه الفطرة.. {والله بصير بالعباد} ..
وإلى هنا كان سياق السورة يستهدف تقرير حقيقة التوحيد: توحيد الألوهية والقوامة ، وتوحيد الكتاب والرسالة.. ويصور موقف المؤمنين حقاً والمنحرفين الذين فِي قلوبهم زيغ ، من آيات الله وكتابه.. ويهدد المنحرفين بمصير كمصير الذين كفروا فِي الماضي وفي الحاضر.. ثم يكشف عن الدوافع الفطرية التي تلهي عن الاعتبار ؛ ويصور حال المتقين مع ربهم والتجاءهم إلى الله..
فالآن - وإلى نهاية هذا الدرس - نجدنا أمام حقيقة أخرى.. هي مقتضى الحقيقة الأولى.. فحقيقة التوحيد تستلزم مصداقاً لها فِي واقع الحياة البشرية ، هو الذي يقرره الشطر الثاني من هذا الدرس.
ومن ثم يبدأ بإعادة تقرير الحقيقة الأولى ليرتب عليها آثارها الملازمة لها.. يبدأ بشهادة الله - سبحانه - {أنه لا إله إلا هو} وشهادة الملائكة وأولي العلم بهذه الحقيقة. ويقرر معها صفة الله المتعلقة بالقوامة ، وهي قيامه بالقسط فِي أمر الناس وفي أمر الكون.
وما دام الله متفرداً بالألوهية وبالقوامة فإن أول مستلزمات الإقرار بهذه الحقيقة ، هو الإقرار بالعبودية لله وحده وتحكيمه فِي شأن العبيد كله ؛ واستسلام العبيد لإلههم ، وطاعتهم للقيوم عليهم ، واتباعهم لكتابه ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - .