.ولكن هنالك فارقاً أساسياً بينه وبين متاع الدنيا.. إنه متاع لا يناله إلا الذين اتقوا. الذين كان خوف الله وذكره فِي قلوبهم. وشعور التقوى شعور مهذب للروح والحس جميعاً. شعور ضابط للنفس أن تستغرقها الشهوات ، وأن تنساق فيها كالبهيمة. فالذين اتقوا ربهم حين يتطلعون إلى هذا المتاع الحسي الذي يبشرون به يتطلعون إليه فِي شفافية مبرأة من غلظة الحس! وفي حساسية مبرأة من بهيمية الشهوة! ويرتفعون بالتطلع إليه - وهم فِي هذه الأرض - قبل أن ينتهي بهم المطاف إلى قرب الله..
وفي هذا المتاع النظيف العفيف عوض كامل عن متاع الدنيا.. وفيه زيادة..
فإذا كان متاعهم فِي الدنيا حرثاً مُعطياً مخصباً ، ففي الآخرة جنات كاملة تجري من تحتها الأنهار. وهي فوق هذا خالدة وهم خالدون فيها ، لا كالحرث المحدود الميقات!
وإذا كان متاعهم فِي الدنيا نساء وبنين ، ففي الآخرة أزواج مطهرة. وفي طهارتها فضل وارتفاع على شهوات الأرض فِي الحياة!
فأما الخيل المسومة والأنعام. وأما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة. فقد كانت فِي الدنيا وسائل لتحقيق متاع. فأما فِي نعيم الآخرة فلا حاجة إلى الوسائل لبلوغ الغايات!
ثم.. هنالك ما هو أكبر من كل متاع.. هنالك {رضوان من الله} . رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما.. ويرجح.. رضوان. بكل ما فِي لفظه من نداوة. وبكل ما فِي ظله من حنان.
{والله بصير بالعباد} ..
بصير بحقيقة فطرتهم وما ركب فيها من ميول ونوازع. بصير بما يصلح لهذه الفطرة من توجيهات وإيحاءات. بصير بتصريفها فِي الحياة وما بعد الحياة.
ثم وصف لهؤلاء العباد ، يصور حال المتقين مع ربهم ، الحال التي استحقوا عليها هذا الرضوان:
{الذين يقولون: ربنا إننا آمنا ، فاغفر لنا ذنوبنا ، وقنا عذاب النار. الصابرين والصادقين. والقانتين. والمنفقين. والمستغفرين بالأسحار} ..