ثم قرن إلى النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة.. الخيل المسومة. والخيل كانت - وما تزال حتى فِي عصر الآلة المادي اليوم - زينة محببة مشتهاة. ففي الخيل جمال وفتوة وانطلاق وقوة. وفيها ذكاء وألفة ومودة. وحتى الذين لا يركبونها فروسية ، يعجبهم مشهدها ، ما دام فِي كيانهم حيوية تجيش لمشهد الخيل الفتية!
وقرن إلى تلك الشهوات الأنعامَ والحرث. وهما يقترنان عادة فِي الذهن وفي الواقع.. الأنعام والحقول المخصبة.. والحرث شهوة بما فيه من مشهد الإنبات والنماء. وإن تفتح الحياة فِي ذاته لمشهد حبيب فإذا أضيفت إليه شهوة الملك ، كان الحرث والأنعام شهوة.
وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس ، يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن ؛ ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان. والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية ، لتبقى فِي مكانها هذا لا تتعداه ، ولا تطغى على ما سواه:
{ذلك متاع الحياة الدنيا} ..
ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة - وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات - متاع الحياة الدنيا. لا الحياة الرفيعة ، ولا الآفاق البعيدة.. متاع هذه الأرض القريب.. فأما من أراد الذي هو خير.. خير من ذلك كله. خير لأنه أرفع فِي ذاته. وخير لأنه يرفع النفس ويصونها من الاستغراق فِي الشهوات ، والانكباب على الأرض دون التطلع إلى السماء.. من أراد الذي هو خير فعند الله من المتاع ما هو خير. وفيه عوض كذلك عن تلك الشهوات:
{قل: أؤنبئكم بخير من ذلكم؟ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار - خالدين فيها - وأزواج مطهرة ، ورضوان من الله ، والله بصير بالعباد} ..
وهذا المتاع الأخروي الذي تذكره الآية هنا ، ويؤمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبشر به المتقين ، هو نعيم حسي فِي عمومه.