ثم تتضمن الآية فِي شطرها الثاني التهديد الرعيب للذين كفروا بآيات الله ، وتلوح لهم بعزة الله وقوته وشدة عذابه وانتقامه.. والذين كفروا بآيات الله هم الذين كذبوا بهذا الدين الواحد بإطلاقه.. وأهل الكتاب الذين انحرفوا عن كتاب الله الصحيح المنزل إليهم من قبل ، فقادهم هذا الانحراف إلى التكذيب بالكتاب الجديد - وهو فرقان واضح مبين - هم أول المعنيين هنا بصفة الكفر ، وهم أول من يتوجه إليهم التهديد الرعيب بعذاب الله الشديد وانتقامه الأكيد..
وفي صدد التهديد بالعذاب والانتقام يؤكد لهم علم الله الذي لا يند عنه شيء ، فلا خفاء عليه ولا إفلات منه:
{إن الله لا يخفى عليه شيء فِي الأرض ولا فِي السماء} ..
وتوكيد العلم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء ، وإثبات هذه الصفة لله - سبحانه - فِي هذا المقام.. هذا التوكيد يتفق أولاً مع وحدانية الألوهية والقوامة التي افتتح بها السياق. كما يتفق مع التهديد الرعيب فِي الآية السابقة.. فلن يفلت {شيء } من علم الله {فِي الأرض ولا فِي السماء} بهذا الشمول والإطلاق. ولن يمكن إذن ستر النوايا عليه ، ولا إخفاء الكيد عنه. ولن يمكن كذلك التفلت من الجزاء الدقيق ، ولا التهرب من العلم اللطيف العميق.
وفي ظلال العلم اللطيف الشامل الذي لا يخفى عليه شيء فِي الأرض ولا فِي السماء يلمس المشاعر الإنسانية لمسة رفيقة عميقة ، تتعلق بالنشأة الإنسانية. النشأة المجهولة فِي ظلام الغيب وظلام الأرحام ، حيث لا علم للإنسان ولا قدرة ولا إدراك:
{هو الذي يصوركم فِي الأرحام كيف يشاء. لا إله إلا هو العزيز الحكيم} ....