فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله ، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فنزلت . وقال الكلبي: نزلت فِي المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم . وقد كرر ذلك فِي آيات أخر كثيرة {لا تتخذوا بطانة من دونكم} [آل عمران: 118] {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} [المائدة: 51] {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22] وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله: {يا أيها الذين آمنوا} وثانيها المعاشرة الجميلة فِي الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك ، ولهذا قال مقاتل: نزلت فِي حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل ، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين ، فلا جرم هدد فقال: {من يفعل ذلك فليس من الله} أي من ولايته أو من دينه {فِي شيء } يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً ، وهذا كالبيان لقوله: {من دون المؤمنين} ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين فِي الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول ، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال:
تود عدوّي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب