وأيضًا فإنه من أحب محبوبًا خاف فوته، فبانَ فرق ما بين الخوفين هذا خوف
المعاقبة، وهذا خوف الفوت، وهذا راجع إلى الأول.
وللمحبة ثلاثة منازل:
الأولى: محبة العالم تتولد من معرفة إحسان الله - جلَّ جلالُه -، ومشاهدة عطفه.
الثانية: منعها عن نظر العبد إلى عظمة الله وجلاله، وإحاطة علمه وقهر قدرته،
وهو حب الصادِقينَ المتحققين.
الثالثة: منبعثها معرفة العبد تقدم حب الله - جلَّ جلالُه - له بلا علة، وكذلك أحبه هو بلا
علة، فهذه المحبة لله وبالله ومحبة الصديقين العارفين، ثم ظاهر أتباع المحبوب
وباطنها أن يكون فتنته بالحبيب، فلا يبقى عليه علة له ولا في نفسه، فحقيقة حال
هذا ميل دائم وقلب هائم بوجود محبة من المحبوب، وإيثار له على من سواه وعلى
القول بالتحقيق، فما عاش أحدًا إلا مع مزج الحب، فإذا توحد الحب بالقلب
وتمكن فيه قتل.
قوله - جلَّ جلالُه: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا ...(32) . هنا محذوف مقدر مستدل عليه
بالظاهر بعده، هو قوله (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) .
الحاصل من هذا الخطاب: محبة الله - عز وجل - يستوجبها العبد بالعمل بالطاعة
وابتغاء مرضاة الله - جلَّ جلالُه -، والاقتداء به في معالي الأخلاق، ثم برسوله في سنته، وبذلك
أستوجب وعد الله سبحانه بإدخاله محبته وإلحاقه بالدين أسكن ودَّه في قلوبهم
وشغلهم به وفرغهم إليه، فإن هو هم من حيث هم لا من حيث هو، لذلك قيل
لهم: أولياء الله وربانيون. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 1/ 514 - 523} ...