يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَيُخَوِّفُكُمُ اللَّهُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ تَرْكَبُوا مَعَاصِيهِ أَوْ تُوَالُوا أَعْدَاءَهُ، فَإِنَّ لِلَّهِ مَرْجِعَكُمْ وَمَصِيرَكُمْ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ، وَيَوْمِ حَشْرِكُمْ لِمَوْقِفِ الْحِسَابِ، يَعْنِي بِذَلِكَ: مَتَى صِرْتُمْ إِلَيْهِ، وَقَدْ خَالَفْتُمْ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَأَتَيْتُمْ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنَ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ نَالَكمْ مِنْ عِقَابِ رَبِّكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، يَقُولُ: فَاتَّقُوهُ وَاحْذَرُوهُ أَنْ يَنَالَكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ شَدِيدُ الْعَذَابِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلَّذِينَ أَمَرْتُهُمْ أَنْ لَا يَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ: إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ مِنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ فَتُسِرُّوهُ أَوْ تُبْدُوا ذَلِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ، فَتُظْهِرُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ؛ يَقُولُ: فَلَا تُضْمِرُوا لَهُمْ مَوَدَّةً، وَلَا تُظْهِرُوا لَهُمْ مُوَالَاةً، فَيَنَالَكُمْ مِنْ عُقُوبَةِ رَبِّكُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَعَلَانِيَتَكُمْ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ، وَهُوَ مُحْصِيهِ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ عَلَيْهِ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا، وَبِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ إِذْ كَانَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ هُوَ فِي سَمَاءٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ حَيْثُ كَانَ، فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، مَا فِي صُدُورِكُمْ مِنَ الْمِيلِ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ، أَوْ مَا تُبْدُونَهُ لَهُمْ بِالْمَعُونَةِ فِعْلًا وَقَوْلًا.