فانظر كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو لهم بالنجاة بسبب إيمانهم المستلزم لكراهيتهم لأفعال المشركين وأخلاقهم وأحوالهم، مع إقامتهم فيهم، وتسويدهم معهم، فتبين بذلك أن مجرد التسويد مع القوم لا يلحق بهم في كل ما هم فيه، وأن العمدة على محبة القلب وكراهيته، فإذا انضم مع المحبة التسويد مع القوم والتشبه بهم كان ذلك آكدَ في الإلحاق، وكذلك لو انضم إلى الكراهية النفرة عن التسويد معهم، ومحبة الهجرة عنهم، والمخالفة لهم في الأفعال والأحوال، كان ذلك آكد في عدم الإلحاق.
وقد روى أبو داود في"سننه"عن العُرس بن عَمير - بضم العين المهملة في الأول، وفتحها في الثاني - الكندي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِذا عُمِلَتِ الْخَطِيْئةُ فِيْ الأَرْضِ كانَ مَنْ شَهِدها فَكَرِهَهَا،"
كَمَنْ غابَ عَنْهَا، وَمَنْ غابَ عَنْها فَرَضِيَها، كانَ كَمَنْ شَهِدَها"."
وروى البيهقي في"سننه"عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ حَضَرَ مَعْصِيَةً فَكَرِهَهَا، فَكَأَنَّما غابَ عَنْها، وَمَنْ غابَ عَنْها فَرَضِيَها، فَكَأَنَّهُ حَضَرَها".
نعم، إذا تجرد التسويد معهم عن المحبة والكراهية جميعاً، فقد يشاركهم فيما ينوبهم من رحمة أو نقمة - كما سبق في كلام لقمان - كمن يسود معهم عبثاً، أو للتفرج والتلهي بهم، كمن يقف على من يضرب بالآلة، أو بشعبات، أو يرقص القرود، أو على حلقة يعزر فيها من لا يستحق التعزير، أو على حلقة المتصارعين، أو المتداقفين، أو مع من يشهد من يمشي على الحبل، بل التسويد مع هؤلاء لهذه المعاني يلحق بهم بلا شك.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَحَبَّ قَوْماً جَعَلَهُ اللهُ مَعَهُمْ":
فيه إلحاق من لم يشهد القوم، ولم يسود معهم بهم لمجرد محبته إياهم - كما تقدم -؛ أي: ما لم يخالفهم، أو يتشبه بغيرهم، كما روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يقول: إني
ألفيت أصحابي على أمر، وإني إن خالفتهم خشيت أن لا ألحق بهم.