ولما كان الطبع يسرق من الطبع، ويسري إليه - خصوصاً مع طول الصحبة، والمعاشرة - حتى يدعو ذلك الشخص إلى تخلقه بخلق مجاوره ومعاشره، كما ترى ذلك كثيراً في كثير من الحيوانات المتوحشة إذا أكثر مقامها بين الناس أَلِفَتْهُمْ، وفهمت إشاراتهم، ومنها ما يقبل التعليم كالببغاء، والقُمْرِيِّ من الطير، والفهد والقرد من السباع والبهائم، بل تبلغ من تآلفها بهم أن لو خرجت عنهم لاستوحشت إلى الأنس بهم، ونفرت عن الوحشة منهم، ولذلك قيل: للمجاورة تأثير، وقيل: من عاشر قوماً أربعين يوماً صار منهم.
لَمَّا كان ذلك كذلك، جاء النهي عن الإقامة في بلاد الكفار وعن مساكنتهم ومجاورتهم، والأمر بالهجرة عنهم، فروى أبو داود، والترمذي، والضياء المقدسي في"الأحاديث المختارة"عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أَنَا بَرِيْءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيْمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِيْنَ؛ لا تَراءَىْ ناراهُما".
وفي هذا الحديث معنى آخر، وهو أن إقامة المسلم ببلادهم توجب ذِلَّة المسلم فيهم، وإهانته بينهم؛ وقد قال رسول الله - رضي الله عنه:"لا يَنْبَغِيْ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"، قيل: وكيف يدُّل نفسه؟ قال:"يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاءِ لِمَا لا يُطِيْقُ". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه عن حذيفة - رضي الله عنه -، والطبراني - بسند جيد - عن ابن عمر - رضي الله عنهما -.
وروى الطبراني - أيضاً - في"معجمه الكبير"عن سَمُرة بن جندب رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تُساكِنُوْهُمْ - يَعْنِيْ: الْمُشْرِكِيْنَ -، وَلا تُجامِعُوْهُمْ؛ فَمَنْ ساكَنهمْ، أَوْ جامَعَهُمْ، فَهُوَ مِثْلُهُم".
ورواه أبو داود بلفظ:"مَنْ جامَعَ الْمُشْرِكَ، وَسَكَنَ مَعَهُ، فَهُوَ مِثْلُهُ".
وقال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه: بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم،
وعلى فراق المشرك. رواه النسائي.
وله - أيضاً - نحوه عن أبي نجيلة البجلي، عنه.