وإن كان الثاني؛ بأن كانت مخالفته لهم لا على طريق الرغبة عن أخلاقهم، ولا على سبيل الأَنَفَةِ من أحوالهم، بل كان ذلك على سبيل العجز والتقصير عن بلوغ درجاتهم، والانحطاط عن عُلُوِّ همتهم، أو على وجه غلبة الهوى عليه، وضعفه عن مصادمته ومخالفته، فوقعت منه الزلة، وألَمَّ تلك اللمة، ولو تيسر له اللحاق بهم في وصفٍ لم يتأخر عن الاتصاف به، أو في خُلقٍ لم يتوان عن التخلق به، فهذه المخالفة والتقصير لا يُقعدانه عن اللحاق بمن يحبهم، ولا يؤخره عن الكينونة معهم، وعلى ذلك تحمل الأحاديث والآثار الواردة في ذلك.
ولا شك أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"جوابا لقول القائل: يا رسول الله! المرء يحب قوماً ولما يلحق بهم؟
وفي حديث أبي ذر: ولا يستطيع أن يعمل بعملهم؟
دليل على أن المحب لقومٍ معهم، وإن قصر عنهم في الأعمال والأحوال، ولذلك اشتد فرح المسلمين بذلك.
وروي: أن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان شديد الحب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه، ونحل جسمه، فعرف في وجهه الحزن، فقال:"يا ثَوْبانُ! ما غَيَّرَ لَوْنَكَ؟"فقال: يا رسول الله! ما بِيَ من ضُرٍّ ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، وأخاف أني لا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك ترفع، وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبداً.
فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [سورة النساء: 69] .
وروى الطبراني، وأبو نعيم، وغيرهما، وحسنه الضياء المقدسي في"المختارة"، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رجلاً قال: يا رسول الله!، وذكر نحو حديث ثوبان - رضي الله عنه -.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب"المحتضرين"عن عبد الرحمن بن