وإن كان مخالفا لهم في كل أفعالهم، مبايناً لهم في كل أحوالهم، فهذا ليس منهم قطعاً، وعلى ذلك حمل الغزالي كلام الحسن، وكذلك يحمل عليه كلام الفضيل؛ لأن الظاهر أن محبة هذا مجرد دعوى، ومحضُ تَمَنٍّ، وهذا لا يقال فيه: (محبٌّ) حقيقة، بل: (مدعي المحبة) .
ويدل عليه: ما رواه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في كتاب"الزهد"عن الحسن أنه قال: يا ابن آدم! زعمت أنك تحب الصالحين، وتفر من أعمالهم، وتبغض الفجار، وأنت أحدهم!
وإن كان موافقا في البعض مخالفاً في البعض، فلا يخلو إما أن يخالفهم في أصل الإيمان، أو يوافقهم؛ فإن خالفهم في الإيمان فهذا
ليس منهم قطعاً؛ لأنه - وإن توهم من قلبه محبتهم والميل إليهم - فقد باينهم في أصل الإيمان الذي هو عقيدتهم، وذلك عين العداوة، فأين المحبة؟ وأيُّ عداوة أشد من عداوة الدِّين؟ كما قيل: من البسيط
كُلُّ الْعَداواتِ قَدْ تُرْجَىْ مَوَدَّتُها ... إِلاَّ عَداوَةَ مَنْ عاداكَ فِيْ الدِّيْنِ
ومن هذا القبيل: محبة اليهود والنصارى لأنبيائهم.
وإن وافقهم في أصل الإيمان، وخالفهم في غيره من الطاعات ومكارم الأخلاق، فلا يخلو إما أن تكون مخالفته لهم في الطاعات والأخلاق والآداب رغبة عنها، وأَنَفَةً منها، ومحبة لما سواها، أو لا؛ فإن كان الأول فهذا - أيضاً - لا ينفعه أصل محبته لهم مع رغبته عن أخلاقهم وأوصافهم، ولا يلحقه بهم، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح:"مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّيْ"؛ لأن رغبة هذا عن أخلاق من يدعي محبتهم، وإعراضه عن أوصافهم، دليل على أن محبته تلك لا حقيقة لها، وأنها مجرد دعوى.
ولا يبعد أن تكون محبة اليهود والنصارى لأنبيائهم من هذا القبيل - أيضاً -؛ ألا ترى أنهم كانوا يدَّعون محبة إبراهيم عليه السلام، ثم كانوا يرغبون عن ملته، ثم كانوا يدَّعون أنه كان على ما هم عليه من