وَأَكْثَرُ الْعِبَارَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى ثَمَرَاتِ الْمَحَبَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا وَحَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ الْمَيْلُ إِلَى مَا يُوَافِقُ الْإِنْسَانَ وَتَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لَهُ إما لا ستلذاذه بِإِدْرَاكِهِ كَحُبِّ الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَصْوَاتِ الْحَسَنَةِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ اللَّذِيذَةِ وَأَشْبَاهِهَا مِمَّا كُلُّ طَبْعٍ سَلِيمٍ مائل إليها لموافقتها له ولاستلذاذه بِإِدْرَاكِهِ بِحَاسَّةِ عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ مَعَانِيَ بَاطِنَةً شَرِيفَةً كحب الصالحين والعلماء وأهل المعروف. والمأثور عَنْهُمُ السِّيَرُ الْجَمِيلَةُ وَالْأَفْعَالُ الْحَسَنَةُ .. فَإِنَّ طَبْعَ الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هَؤُلَاءِ حَتَّى يَبْلُغَ التَّعَصُّبُ بِقَوْمٍ لِقَوْمٍ. وَالتَّشَيُّعُ مِنْ أُمَّةٍ فِي آخَرِينَ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْجَلَاءِ عَنِ الْأَوْطَانِ، وَهَتْكِ الْحُرَمِ، وَاخْتِرَامِ النُّفُوسِ .. أَوْ يَكُونُ حُبُّهُ إِيَّاهُ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ مِنْ جِهَةِ إِحْسَانِهِ لَهُ، وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ .. فَقَدْ جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا .. فَإِذَا تقرر لك هذا نظرت لهذه الْأَسْبَابَ كُلَّهَا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلِمْتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَامِعٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَحَبَّةِ.
أَمَّا جَمَالُ الصُّورَةِ وَالظَّاهِرِ، وَكَمَالُ الْأَخْلَاقِ وَالْبَاطِنِ، فَقَدْ قررنا منها قبل فيما مر من الْكِتَابِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةٍ ..
وَأَمَّا إِحْسَانُهُ وَإِنْعَامُهُ عَلَى أُمَّتِهِ فَكَذَلِكَ قَدْ مَرَّ مِنْهُ فِي أَوْصَافِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ، وَرَحْمَتِهِ لَهُمْ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَاسْتِنْقَاذِهِمْ بِهِ مِنَ النَّارِ، «وَأَنَّهُ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» ..
و «رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» ، «وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ» ،
«يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ» ، «وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..