وقال الحرالي: ولما كان مضمون هاتين الآيتين بشرى لخصوص هذه الأمة وعمومها بالعز والملك وختم الرزق الذي لا حساب فيه كان من الحق أن تظهر على المبشرين عزة البشرى فلا يتولوا غيره ، ولما قبض ما بأيدي الخلق إليه فِي إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال ، وأظهر إحاطة قدرته على كل شيء وإقامة امتحانه بما أولج وأخرج ، وأنبأ عن إطلاق حد العد عن أرزاقه فسد على النفس الأبواب التي منها تتوهم الحاجة إلى الخلق ؛ نهي المؤمنين الذين كانت لهم عادة بمباطنة بعض كفرة أهل الكتاب وغيرهم من المشركين ومن شمله وصف الكفر أن يجروا على عادتهم فِي موالاتهم ومصافاتهم والحديث معهم ، لأن المؤمنين يفاوضونهم بصفاء ، والكافرون يتسمعون ويأخذون منهم بدغل ونفاق عليهم كما قال تعالى {هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} [آل عمران: 119] فنهاهم الله سبحانه وتعالى عما غاب عنهم خبرته وطيته فقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون} أي الراسخون فِي الإيمان وعبر فِي أضدادهم بالوصف لئلا يتوهم ذلك فِي كل من تلبس بكفر فِي وقت ما فقال: {الكافرين أولياء} ونبه بقوله: {من دون المؤمنين} على أن ولاية أوليائه من ولايته ، وأن المنهي عنه إنما هو الولاية التي قد توهن الركون إلى المؤمنين لأن فِي ذلك - كما قال الحرالي - تبعيد القريب وتقريب البعيد ، والمؤمن أولى بالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"فأقواهم له ركن ، وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي ، فإذا والاه قوى به مما يباطنه ويصافيه ، وإذا اتخذ الكافر ولياً من دون مؤمنه القوي ربما تداعى ضعفه فِي إيمانهم إلى ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين ، كما أنهم لما أصاخوا إليهم إصاخة أوقعوا بينهم سباب الجاهلية كما فِي قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} [آل عمران: 100] وكما قال سبحانه وتعالى: يا أيها