ولما ظهر فِي هذه الآية افتراق النزع والإيتاء والإعزاز والإذلال أبدى فِي الآية التالية توالج بعضها فِي بعض ليؤذن بولوج العز فِي الذل والذل فِي العز ، والإيتاء فِي النزع والنزع فِي الإيتاء ، وتوالج المفترقات والمتقابلات بعضها فِي بعض ، ولما كانت هذه السورة متضمنة لبيان الإحكام والتشابه فِي منزل الكتاب بحكم الفرقان أظهر تعالى فِي آياتها ما أحكم وبين فِي خلقه وأمره وما التبس وأولج فِي خلقه وأمره ، فكان من محكم آية فِي الكائن القائم الآدمي ما تضمنه إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال ، وكان من الاشتباه إيلاج العز فِي الذل وإيلاج الذل فِي العز ، فلما صرح بالإحكام ببيان الطرفين فِي الكائن القائم الآدمي ، وضمن الخطاب اشتباهه فِي ذكر العز والذل صرح به فِي آية الكون الدائر ، فذكر آية الآفاق وهو الليل والنهار بما يعاين فيها من التوالج حيث ظهر ذلك فيها وخفي فِي توالج أحوال الكائن القائم ، لأن الإحكام والاشتباه متراد بين الآيتين: آية الكائن القائم الآدمي وآية الكون الدائر العرشي ، فما وقع اشتباهه فِي أحدهما ظهر إحكامه فِي الآخر فقال سبحانه وتعالى: {تولج} من الولوج ، وهو الدخول فِي الشيء الساتر لجملة الداخل {الليل فِي النهار} فيه تفصيل من مضاء قدرته ، فهو سبحانه وتعالى يجعل كل واحد من المتقابلين بطانة للآخر والجاً فيه على وجه لا يصل إليه منال العقول لما فِي المعقول من افتراق المتقابلات ، فكان فِي القدرة إيلاج المتقابلات بعضها فِي بعض وإيداع بعضها فِي بعض على وجه لا يتكيف بمعقول ولا ينال بفكر - انتهى.
{وتولج النهار فِي الليل} أي تدخل كلاً منهما فِي الآخر بعد ظهوره حتى يذهب فيه فيخفى ولا يبقى له أثر.
قال الحرالي: ولما جعل المتعاقبين من الليل والنهار متوالجين جعل المتباطنين من الحي والميت مخرجين ، فما ظهر فيه الموت بطنت فيه الحياة ، وما ظهرت فيه الحياة بطن فيه الموت ؛ انتهى.