ولنتأمل هذا المثل الذي حدثتنا عنه السيرة النبوية الطاهرة ، حينما جاءت غزوة الأحزاب التي اجتمع فيها كل خصوم الدعوة ، واشتغل اليهود بالدس والوقيعة ، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحفر بمشورة سلمان الفارسي خندقا حول المدينة المنورة. ومعنى"الخندق"، أي مساحة من الأرض يتم حفرها بما يعوق التقدم. وكان المقاتلون يعرفون أن الفرس يستطيع أن يقفز مسافة ما من الأمتار.
لقد حاول المؤمنون أثناء حفر الخندق أن يكون اتساع أكبر من قدرة الخيل ، ولننظر إلى دقة الإدارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن سلمان الفارسي قد اقترح أن يتم حفر الخندق ، وفيما يبدو أنه قد أخذ الفكرة من بيئته وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم الفكرة وأقرها ، وفعلها المسلمون.
إذن فليس كل ما فعله الكفار كان مرفوضا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل تطبيق كل الأعمال النافعة ، سواء أكان قد فعلها الكفار من قبل أم لا ، ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن عملية الحفر مرهقة بسبب جمود الأرض وصخريتها فِي بعض المواقع ، لذلك وضع حصة قدرها أربعون ذراعا لكل عشرة من الصحابة ، وبذلك وزع الرسول الكريم العمل والمسئولية ، ولم يترك الأمر لكل جماعة خشية أن يتواكلوا على غيرهم.
وتوزيع المسئولية يعني أن كل جماعة تعرف القدر الواضح من العمل الذي تشارك به مع بقية الجماعات وقد يسأل سائل: ولماذا لم يوزع الرسول صلى الله عليه وسلم التكليف لكل واحد بمفرده ؟ ونقول: إنها حكمة الإدارة والحزم هي التي جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يتعرف على حقيقة واضحة ، وهي أن الذين يحفرون من الصحابة ليسوا متساوون فِي القدرة والمجهود ، لذلك أراد لكل ضعيف أن يكون مسنودا بتسعة من الصحابة.