{الملك ممن تشآء} وفيه إشارة إلى إن الدعاء باللين إن لم يجدِ ثني بالترهيب ، وعلى هذا المنوال أبرز قوله: {وتعز من تشآء} أي إعزازه {وتذل من تشآء} أي إذلاله ، وهو كما قال:"إن رحمتي سبقت غضبي"قال الحرالي: وفي كلمة النزع بما ينبئ عنه من البطش والقوة ما يناسب معنى الإيتاء ، فهو إيتاء للعرب ونزع من العجم ، كما ورد أن كسرى رأى فِي منامه أنه يقال له: سلم ما بيدك لصاحب الهراوة ، فنزع مُلكَ المولك من الأكاسرة والقياصرة وخوّله قريشاً ومن قام بأمرها وانتحل الملك باسمها من صنوف الأمم غرباً وشرقاً وجنوباً وشمالاً ، إلى ما يتم به الأمر فِي الختم ، والعز - والله سبحانه وتعالى أعلم - عزة الله سبحانه وتعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] ليكون فِي الخطاب إنباء بشرى لهم أنه أتاهم من العز بالدين ما هو خير من الشرف بملك الدنيا {من كان يريد العزة فللّه العزة جميعاً} [فاطر: 10] فالملوك وإن تشرفوا بملك الدنيا فليس لهم من عزة الدين شيء ، أعزهم الله سبحانه وتعالى بالدين ، تخدمهم الأحرار وتتوطد لهم الأمصار ، لا يجدون وحشة ، ولا يحصرون فِي محل ، ولا تسقط لهم حرمة حيث ما حلوا وحيث ما كانوا استتروا أو اشتهروا ، والمتلبسون بالملك لا يخدمهم إلا من استرقوه قهراً ، يملكون تصنع الخلق ولا يملكون محاب قلوبهم ، محصورون فِي أقطار ممالكهم ، لا يخرجون عنها ولا ينتقلون منها حتى يمنعهم من كمال الدين ، فلا ينصرفون فِي الأرض ولا يضربون فيها ، حتى يمتنع ملوك من الحج مخافة نيل الذل فِي غير موطن الملك ، والله عز وجل يقول:"إن عبداً أصححت له جسمه ، وأوسعت عليه فِي رزقه ، يقيم خمسة أعوام لا يفد على المحروم"فالملوك مملوكون بما ملكوا ، وأعزاء الله ممكنون فيما إليه وجهوا ، لا يصدهم عن تكملة أمر الدين وإصلاح أمر الآخرة صادّ ، ولا يردهم عنه راد لخروجهم من سجن الملك إلى سعة العز بعزة الله سبحان وتعالى