كانت الآيات السابقة في تبيان اختلاف أهل الكتاب الذي نشأ من البغي بعد أن جاءهم العلم اليقيني، وفي محاجّة أهل الكتاب والمشركين للنّبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم ذكر هنا موقف اليهود من الأنبياء، ومنهم النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم الذي همّوا أيضا بقتله زمن نزول الآية، ويتمثّل موقفهم فيما يأتي:
إن الذين يجحدون من اليهود بآيات الله بعد معرفتها في كتبهم، ويقتلون الأنبياء، كما فعلوا بزكريا ويحيى عليهما السلام بغير شبهة لديهم، ولا حق ولا ذنب إلا أنهم قالوا: ربّنا الله، وجهروا بالحق، وبلغوا الرّسالة، ويقتلون الحكماء الذين يأمرون الناس بالعدل والقسط، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ومرتبة هؤلاء في الإرشاد تلي مرتبة الأنبياء، أنبئ هؤلاء بالعذاب الأليم في الدّنيا والآخرة. هؤلاء الذين ارتكبوا هذه الجرائم الشنيعة، البعيدون في الضلال، بطلت أعمالهم في الدّنيا والآخرة، وما لهم في الآخرة من ناصرين ينصرونهم من
بأس الله وعذابه، كما قال تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ [الشعراء 26/ 88] .
والإخبار عن اليهود السابقين، ونسبة الكفر إلى اليهود المعاصرين للنّبي صلّى الله عليه وسلّم لأنهم راضون عنه، بل إنهم همّوا بمثل فعل آبائهم بقتل النّبي صلّى الله عليه وسلّم إمعانا في الفساد والضلال.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى وقائع خطيرة وأحكام مهمة متعلقة باليهود وغيرهم:
1 -اليهود كانوا قتلة الأنبياء والحكماء أو العلماء، وكفروا بآيات الله وشرائعه التي بلّغتها إياهم الرّسل، استكبارا عليهم وعنادا لهم، وتعاظما على الحق، واستنكافا عن اتّباعه، فذمّهم الله على مآثمهم.
2 -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النّبوة. قال الحسن: قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر، فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله، وخليفة كتابه» .