مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) هذا إخبار منه - عزَّ جلاله - أن أول
وجوب الشهادة إجماع وإصفاق على دين الإسلام.
وإنما خرق [الإجماع] اختلاف جاذب بعد انعقاد، وأول من خرقه إبليس -
لعنه الله - بعد أن اجتمعت الخليقة كلها على ذلك، فأصفقت ناطقها وصامتها
علوها وسفلها(أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا
وَكَرْهًا)ثم هدى الله الذين آمنوا، وهو آدم - عليه السلام - وذريته.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) فاختلفوا، فكان خارق
ذلك الإجماع العقل القاصر والهوى المتبع،(فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ).
ثم هدى الله من أهل الكتاب حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، فاختلفوا
بغيا بينهم، ثم بعث الله رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على جميع الأنبياء والرسل قبله بالكتاب
(فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) - جلَّ جلالُه - ؛ أي: لما اختلف فيه من
كان قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم، واختلاف من اختلف، وهداية من اهتدى بإذنه
(وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
سبحانه وله الحمد أتقن كل شيء صنعًا، وأحكمه هداية وفطرة وإقامة على
الحق الذي هو أهله، فأنار البينات وأكثر من الشواهد والدلالات؛ وأخبر عن ذلك
بالصدق الذي هو كلامه، وشهد بالحق فشهد كل شيء لشهادته، وهو أكبر
الشاهدين وأصدق القائلين.
(فصل)
الإسلام على ضربين: إسلام لله الواحد القهار لا شريك له فيه، ولا تكذيب
ولا رد بل خضوعًا وإذعانًا بالعبودية المحضة.
والإسلام اقتداءً وائتمامًا بمن اختصه الواحد القهار - جلَّ جلالُه - ، والطاعة لله - عز وجل - ثم
بمن أرسله، والإيمان بما جاء من عند الله والإيفاء به، واستسلامًا وتوقيرًا وطاعة
محضة.