قوله عز وجل: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24)
قد تقدَّم الكلام فيما حُكِيَ عن أهل الكتاب بقولهم: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)
والذي غزهم ما حُكى عنهم من قوله عز وجل: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) والغرُّ: الأثر الظاهر من
الشيء ، ومنه الغُرَّة ، والغرار حد السيف اعتبارًا بالأثر ، ولهذا
سُمى أثره السيف ، وغرُّ الثوبِ أثرُ كسره ، يقال: اطوِ على
غَرة ، واستعير للخديعة ، فقيل: غزه واغتره كقولهم: طواه إذا
خدعه ، وسُمِّيَ الدنيا والشيطان غرورًا ، لكونهما غارين للإنسان.
والغِرُّ المغرور ، والغُرَر الخطر المتقدم ، كأنه الذي به يُغتر ، وأِما غرَّ
الطائرُ الفرخَ فاستعارة من الصوت الذي يكون منه عند زقِّه.
والغرغرة: ترديد الصوت من الحلق ، فجعل لفظه مرددًا على
سبيل الحكاية ، كحكاية كثير من الأصوات.
والفُري: قطع الأديم ، واستعير للكذب ، استعارة الخلق
والاختلاق له.
إن قيل: هل علموا أنهم كاذبون فيما يقولون ؟
قيل: إما أنهم علموا واغتروا برئاستهم وأعراضهم الدنيوية ، أو تمكنوا من
علمه فلم يتحروه اغترارَا بما هم بصدده ، وعلى كلا الوجهين
يستحقون الذم.
قوله عؤ وجل: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(25)
ما سُئل عنه بكيف محذوف ، كأنَّه قيل: كيف حالهم أو قولهم وافتراؤهم.
فحُذف لدلالة الكلام عليه ، كحذفه فِي قوله
(فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ)
ومعناه: كيف حالهم إذا جوزوا بفعلهم ، ولم يُظلموا فِي بخس
ما استوجبوا من ثواب ، أو زيادة ما استحقوا من عقاب.