من يعلم المشهود عند الدلالة المنبئة عن صدقه ، وعن كون الأمر
على ما شهد به ، والبارئ عز وجل لما جعل فِي كل شيء تنبُّؤاً عن
وحدانيته صار له فِي كل شيء لسان يشهد أنه واحد ، وهذا ظاهر ،
وبين بقوله: (وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) أنهم قد عرفوا ذلك
وينبئون عنه ، فإن الأدلة التي يذكرها العلماء ، وتأتي بها الملائكة
والأنبياء شهادة منهم ، فحثهم الله تعالى بهذا القول على التأمل.
ليعرفوا صحة ما شهدوه ، وكذا الآية كأنه أقال ، لنبيِّه:
لا تستوحش من تكذيب الكافرين لك ، فقد أْبدى الله عز وجل
من الآيات ما ينبئ أنه تعالى شاهد لك بصدق دعواك.
وقوله: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) أي هو تعالى مراعٍ للعدالة بكل حال ، وذلك
حال مؤكدة.
فإن قيل: ما وجه تكرير (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فِي الآية ؟
قيل: لما كان منتهى إدراك الإِنسان للبارئ تعالى أن يعرف الموجودات.
فيعلم أنه ليس إياها ولا مشبَّهًا بشيء منها ، صار صفات التنزيه
له أشرف من صفات التمجيد له ، إذ كان عامة صفات التمجيد
في ألفاظها مشاركة ، يصح وصف العباد بها ، ولأجل ذلك
عظم ما ورد من صفاته على لفظ النفي ، نحو: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)
قيل فِي سورة الإِخلاص:"إنها تعدل ثلث القرآن"، لكونها تنزيهًا محضًا ، فإن لفظي: الأحد والصمد وإن كانا على صورة الإِثبات - فنفي للتثنية والتشبيه) ، ثم أبلغ ما يوصف به من التنزيه: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فتكريره هاهنا
لأمرين: أحدهما: لكون الثاني قطعًا للحكم ، كقولك: أشهد
أن زيدا خارج وهو خارج.
والثاني: لئلا يسبق بذكر العزيز الحكيم إلى قلب السامع تشبيه ، إذ قد يوصف بهما المخلوق.