وقيل: هو مسألةُ لطفٍ ، لا يفعله الله بالعبد إلا إذا سأله.
قوله عز وجل: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ(17)
قد تقدَم وصفُ الصَّبر ومنازله ، وأن كل منزل هو أعلى فثوابه أعلى.
وأن أرفعه صَبرُ العارف الذي هو الرضى والتسليم.
والصادقون: هم الذين صدقوا فِي الاعتقاد والقول والعمل ، وذلك غاية الإِيمان ، والقانت:
الدائم العبادة فِي السرِّ والجهر ، والمنفقون: عُني به: فِي الفرائض
والنوافل ، ومن المال والبدن ، والمستغفرون: طالبو الغفران
بإتيانهم بالطاعات ، وتخصيصُ الأسحار لكون العبادة فيها أشق
والقلوب أحضر وأرق.
وروى جعفر بن محمد: أنّ من صلى من الليل ، ثم استغفر فِي آخره سبعين مرة ، كُتب من المستغفرين
بالأسحار ، وروي أن ابن عمر كان يصئي فإذا أسحر قعد
يستغفر ، وقال زيد بن أسلم: المستغفرين بالأسحار هم
الذين يشهدون الصبح فِي جماعة ، وذلك داخل فِي عموم الآية ،
فإن شاهد الصبح فِي جماعة يستحق الصبح.
قال عز وجل: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)
الشاهد بالشيء يقتضي حضوره بعلمه ، والإِنباء عنه ، والحكم بما عليه.
ولهذا تُفسَّر الشهادة تارة بالحضور ، وتارة بالعلم.
وتارة بالإِعلام ، وتارة بالحكم.
إن قيل: ما وجه قوله: (شَهِدَ اللَّهُ) وقوله: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ) ، وشهادة المدعي بما يدعيه لا تقتضي زيادة على دعواه.
مع أن هذه الشهادة
إن كانت للجاحدين فغير مقبولة ، وإن كانت للمؤمنين به ففضلة ؟
وهل يكفي النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا طولب بالدلالة أن يقول: الله شاهد لي بذلك ؟
قيل: الشاهد العالم بالشيء ، المبين لغيره ، وأصدق شاهد