ثم في الآية دليل ألا يجوز أن يُفسَّر قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ) ، وقوله: (إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ) ، ونحوه: بالانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان؛ لأنه ذَكَرَ مجيءَ العلم، والعلم لا يوصف بالمجيء ولا ذهاب، وكذلك قوله: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) : ذكر مجيء الحق وزهق الباطل؛ فهما لا يوصفان بمجيء الأجسام، وذهابهم بالانتقال والتحول من مكان إلى مكان، ولا يعرف ذلك ولا يصرف إليه؛ فعلى ذلك لا جائز أن يصرف قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ) ، (استَوَى عَلَى الْعَرْشِ) ، ونحوه - إلى المعروف من استواء الخلق ومجيئهم؛ لتعاليه عن ذلك، قال: والمجيء لا يكون عن الانتقال خاصة؛ بل يكون مرة ذاك وأخرى غيره،
وكذلك الإتيان، واللَّه أعلم.
وقوله: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ)
قيل: حسدًا بينهم؛ لأنهم طمعوا أن يبعث الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من بني إسرائيل، على ما بعث سائر الرسل بعد إسرائيل منهم، فلما بعث من غير بني إسرائيل حسدوه، وخالفوا دينه الإسلام، ويحتمل"بغيًا": من البغي، وهو الجور.
وقوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ)
أي: من المختلفين
(فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) : كأنه على الإضمار - أنْ قل يا مُحَمَّد: ومن يكفر بآيات اللَّه من بعد ما جاءهم العلم والبيان، فإن اللَّه سريع الحساب.
وله ثلاثة أوجه؛ لأن ظاهر الجواب على غير إضمار أن يكون: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ، أي: العذاب - واللَّه أعلم - سمى به؛ لأن بعد الحساب عذاب؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"مَنْ نُوقشَ الحِسَابَ عُذِّبَ"، فجعل الحساب عذابًا.