وَقَدْ رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلٌ كَالدَّالِّ عَلَى تَصْحِيحِ مَا قَرَأَ بِهِ فِي ذَلِكَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي فَتْحِ «أَنَّ» مِنْ قَوْلِهِ: (أَنَّ الدِّينَ)
قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْعُلَمَاءُ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» فَهَذَا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا هِيَ عَامَّةٌ فِي «أَنَّ» الثَّانِيَةِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: (أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَائِزٌ فِي «أَنَّ» الْأُولَى وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْأُولَى مَنْصُوبَةً عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ، بِمَعْنَى: شَهِدَ اللَّهُ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ، فَتَكُونُ مَفْتُوحَةً بِمَعْنَى الْخَفْضِ فِي مَذْهَبِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَبِمَعْنَى النَّصَبِ فِي مَذْهَبِ بَعْضِهِمْ، وَالشَّهَادَةُ عَامِلَةٌ فِي «أَنَّ» الثَّانِيَةِ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ، ثُمَّ تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ فَفَتْحُهَا عَلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ «إِنَّ» الْأُولَى مَكْسُورَةً بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَرَضٌ بِهَا، وَالشَّهَادَةُ وَاقِعَةٌ عَلَى «أَنَّ» الثَّانِيَةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: شَهِدَ اللَّهُ فَإِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ، أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَشْهَدُ - فَإِنِّي مُحِقٌّ - أَنَّكَ مِمَّا تُعَابُ بِهِ بَرِيءٌ فَ «إِنَّ» الْأُولَى مَكْسُورَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَرِضَةٌ، وَالشَّهَادَةُ وَاقِعَةٌ عَلَى «أَنَّ» الثَّانِيَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} فَإِنَّهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ الَّذِي يَلِي الْعَدْلَ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَالْقُسْطُ هُوَ الْعَدْلُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: هُوَ مُقْسِطٌ، وَقَدْ أَقْسَطَ، إِذَا عَدَلَ، وَنَصْبُ «قَائِمًا» عَلَى الْقَطْعِ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ حَالٌ مِنْ «هُوَ» الَّتِي فِي «لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» .
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي مَعَ قَوْلِهِ: {شَهِدَ اللَّهُ} فَكَانَ مَعْنَاهُ: شَهِدَ اللَّهُ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.