يَقُولُ: فَاسْتُرْ عَلَيْنَا بِعَفْوِكَ عَنْهَا وَتَرْكِكَ عُقُوبَتَنَا عَلَيْهَا {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ادْفَعْ عَنَّا عَذَابَكَ إِيَّانَا بِالنَّارِ أَنْ تُعَذِّبَنَا بِهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تُعَذِّبْنَا يَا رَبَّنَا بِالنَّارِ، وَإِنَّمَا خَصُّوا الْمَسْأَلَةَ بِأَنْ يَقِيَهُمْ عَذَابَ النَّارِ؛ لِأَنَّ مَنْ زُحْزِحَ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّارِ فَقَدْ فَازَ بِالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَحُسْنِ مَآبِهِ، وَأَصْلُ قَوْلِهِ { «قِنَا» } مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَقَى اللَّهُ فُلَانًا كَذَا، يُرَادُ بِهِ: دَفَعَ عَنْهُ فَهُوَ يَقِيهِ، فَإِذَا سَأَلَ بِذَلِكَ سَائِلٌ قَالَ: قِنِي كَذَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {الصَّابِرِينَ} الَّذِينَ صَبَرُوا فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، وَيَعْنِي بِالصَّادِقِينَ: الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ فِي قَوْلِهِمْ بِتَحْقِيقِهِمُ الْإِقْرَارَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ بِالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ، وَيَعْنِي بِالْقَانِتِينَ الْمُطِيعِينَ لَهُ وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْإِبَانَةِ عَنْ كُلِّ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَمَعَانِيهَا بِالشَّوَاهِدِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِيهَا، وَبِالْإِخْبَارِ عَمَّنْ قَالَ فِيهَا قَوْلًا فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ} :"الصَّادِقِينَ: قَوْمٌ صَدَقَتْ أَفْوَاهُهُمْ، وَاسْتَقَامَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ، وَصَدَقُوا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالصَّابِرِينَ: قَوْمٌ صَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَصَبَرُوا عَنْ مَحَارِمِهِ، وَالْقَانِتِينَ: هُمُ الْمُطِيعُونَ لِلَّهِ"