الوجه الثالث: وهو مذهب البصريين: أن تجعل (أنَّ) الثانية بدلًا من الأولى، فكأنَّ التقدير: (شهد الله أنَّه، أنَّ الدِّينَ عند الله الإسلام) . فيكون هذا من الضرب الذي الشيء فيه، هو هو، نحو قولك: (ضربت زيدًا نفسَه) . ألا ترى أنَّ الدين الذي هو الإسلام، يتضمنُ التوحيد، وهو هو في المعنى.
وإن شئت، جعلته مِنْ بدل الاشتمال؛ لأن الإسلام يشتمل على التوحيد، فيكون كقولك: (ضربت زيدًا، رأسَه) . فإن قيل: على هذه القراءة، لو جاز إيقاع الشهادة على (أنَّ الدين) ، لم يحسن إعادة اسم الله، ولكان: (أنَّ الدين عنده الإسلام) ؛ لأن الاسم قد سبق، فالوجه الكِنَايةُ عنه. قيل: إنَّ العرب ربما أعادت الاسم في موضع الكناية؛ كقول الشاعر:
لا أرى الموتَ، يسبقُ الموتَ شيء ٌ
ومثله كثير.
فأما المعنى: فقال ابن عباس: افتخر المشركون بآبائهم، فقال كلُّ فريق منهم: لا دين إلَّا ديننا، وهو دين الله منذ بعث الله آدَم، فكذبهم الله - تعالى - ، فقال: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ، يعني الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وأصل الدين في اللغة: الجزاء. ثم الطاعة تسمى دينًا؛ لأنها للجزاء، وكل ما يطاع الله تعالى به فهو دين، فاليهود يدَّعون أنهم يطيعون بما أتاهم به موسى، فذلك دين اليهودية، وكذلك النصارى، وكل فرقة. والمسلمون يطيعونه بما أتاهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فهو دين الإسلام، والله تعالى يقول: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ومعنى (الإسلام) في اللغة: الدخول في السَّلَمِ؛ أي: في الانقياد والمتابعة. قال الله عز وجل: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ} [النساء: 94] ؛ أي: انقاد لكم وتابعكم.
وقيل: أصله: السِّلْم. فـ (أَسْلَمَ) : دخل في السِّلْم؛ كقولهم: (أشْتى) ، و (أَقْحَطَ) ، و (أرْبَعَ) . وأصل السِّلْم: السَّلامة؛ لأنه انقياد على السلامة.