المظهر الأول: إصلاح العقيدة بحمل الذهن على اعتقاد لا يشوبه تردد ولا تمويه ولا أوهام ولا خرافات ، ثم بكون عقيدته مبنية على الخضوع لواحد عظيم ، وعلى الاعتراف باتصاف هذا الواحد بصفات الكمال التامة التي تجعل الخضوع إليه اختيارا ، ثم لتصير تلك الكمالات مطمح أنظار المعتقد فِي التخلق بها ثم بحمل جميع الناس على تطهير عقائدهم حتى يتحد مبدأ التخلق فيهم {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64] .
وكان إصلاح الاعتقاد أهم ما ابتدأ به الإسلام ، وأكثر ما تعرض له ؛ وذلك لأن إصلاح الفكرة هو مبدأ كل إصلاح ؛ ولأنه لا يرجى صلاح لقوم تلطخت عقولهم بالعقائد الضالة ، وخسئت نفوسهم بآثار تلك العقائد المثيرة ، خوفا من لا شيء ، وطمعا فِي غير شيء . وإذا صلح الاعتقاد أمكن صلاح الباقي ؛ لأن المرء إنسان بروحه لا بجسمه.
ثم نشأ عن هذا الاعتقاد الإسلامي: عزة النفس ، وأصالة الرأي ، وحرية العقل ، ومساواة الناس فيما عدا الفضائل.
وقد أكثر الإسلام شرح العقائد إكثارا لا يشبهه فيد دين آخر ، بل إنك تنظر إلى كثير من الأديان الصحيحة ، فلا ترى فيها من شرح صفات الخالق إلا قليلا.
المظهر الثاني: جمعه بين إصلاح النفوس ، بالتزكية ، وبين إصلاح نظام الحياة ، بالتشريع ، فِي حين كان معظم الأديان لا يتطرق إلى نظام الحياة بشيء ، وبعضها وإن تطرق إليه إلا أنه لم يوفه حقه ، بل كان معظم اهتمامها منصرفا إلى المواعظ والعبادات ، وقد قرن القرآن المصلحتين فِي غير ما آية قال تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .